fbpx
حوادث

أمن الشهود على ضوء القانون

عبد اللطيف بسكر *
عبد اللطيف بسكر *

المسطرة الجنائية ميزت بين نوعين من الحماية مطلقة ومقيدة 2/1
استقرت العلوم الاجتماعية على حقيقة مفادها أن الطبيعة البشرية تدفع الإنسان أحيانا نحو الشر والطمع و الاعتداء
على حقوق الغير، وهو ما جسدته مقولة الفيلسوف “دوركهايم” : “إن الجريمة ضرورية لأنها تكون نتيجة
تفاعل العوامل الحيوية في المجتمع”.
رغم أن القانون حدد مسبقا لكل فرد ما له من حقوق، وما عليه من واجبات في إطار ثنائية الحق والواجب، إلا أنه تنشأ الخصومات و النزاعات بين العامة وتعرض على المحاكم للفصل فيها وإعطاء كل ذي حق حقه، ولرد هذه الحقوق لدويها يستوجب معرفة وجه استحقاقهم لها حتى لا تكون مؤسسة القضاء أداة صريحة لنشر الظلم باسم الحق والعدل، ويصبح بذلك الحكم القضائي عنوان للحقيقة من الخارج فقط، و يتجرد الحق من قيمته ما لم يقم الدليل عليه إذ إنه لا حق حيث لا دليل يؤكده، ولا دعوى حيث لا إثبات تستند إليه، إذن فهو – أي الدليل – الذي يظهر الحق و الحقيقة و يجعل صاحبه في موقع قوة ليستفيد منه، و الحق بدون دليل هو والعدم سواء.
من المعلوم أن الإثبات هو السعي إلى إظهار الحقيقة على أن فعلا حدث أو لم يحدث لتبديد الغموض الذي يلف الجريمة لأنه لا يمكن توقيع العقاب على شخص دون إثبات تورطه، والإثبات من المواضيع التي تثير عدة إشكالات لأنه من أهم المسائل القانونية وأكثرها تطبيقا في الحياة العملية، والإثبات في المادة الجنائية يسري عليه مبدأ حرية الإثبات بجميع وسائله في الجنح و الجنايات و المخالفات باستثناء الحالات التي اشترط فيها فيها المشرع نوعا معينا من الأدلة كالخيانة الزوجية والفساد التي تثبت بمحضر رسمي أو اعتراف تضمنته مكاتيب أو أوراق صادرة عن المتهم أو اعتراف قضائي، ومن بين الوسائل التي يمكن اعتمادها للإثبات نجد شهادة الشهود وتعتبر من أهم وسائل الإثبات الغالبة اليوم على اعتبار أن الاقتناع الوجداني للقاضي الجنائي يقوم وبشكل كبير على وسيلة الشهادة لأن الإثبات في المادة الجنائية ينصرف إلى وقائع مادية ونفسية يصعب نسبيا إثباتها بالحجة الكتابية، ويتصرف القاضي الجنائي مع الدليل في مجال واسع تحده المادة 286 من قانون المسطرة الجنائية، فالشهادة واجب ديني قبل أن تكون التزاما قانونيا مصداقا لقوله تعالى في محكم تنزيله : “ولا تكتموا الشهادة و من يكتمها فإنه آثم قلبه و الله بما تعملون عليم ” (سورة البقرة الآية 283 )، وتلعب هذه الأخيرة دورا رياديا في تحقيق العدالة الجنائية الأمر الذي يفرض توفير الحماية للشهود باعتبارهم حلقة مهمة في مجال العدالة الجنائية و مفتاح للحقيقة المنشودة في مختلف القضايا للحيلولة دون ترهيبهم وتخويفهم أو وقوعهم ضحية للإجرام و الاعتداء عليهم نتيجة أدائهم للشهادة.
وبالنظر إلى ما يمكن أن يلحق الشاهد من تهديدات نتيجة قيامه بواجبه الديني والتزامه القانوني فإن المشرع وضع ترسانة قانونية بمقتضاها حدد مختلف التدابير والضمانات التي تحول دون الاعتداء عليه، ألا وهو القانون المتعلق بحماية الضحايا والشهود والخبراء والمبلغين رقم 37.10 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية والصادر بتاريخ 19 من ذو القعدة 1432 ( 17 أكتوبر 2011 ) تطبيقا للظهير الشريف رقم 1.11.164 المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5988 بتاريخ 22 ذو القعدة 1432 ( 20 أكتوبر 2011 )، وتحكم صدور هذا القانون مرجعيات متعددة أهمها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد الموقعة بنيويورك في 31 اكتوبر 2003 والتي صادق عليها المغرب بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.07.58 في 30 نونبر 2007 (المادة 32 تنص على انه يتعين على كل دولة طرف في الاتفاقية أن تتخذ تدابير مناسبة وفقا لنظامها الداخلي وضمن حدود إمكانياتها لتوفير حماية فعالة للشهود الذين يدلون بشهادة تتعلق بأفعال مجرمة وكذلك لأقاربهم …) والمرجعية الثانية تتعلق بالحراك المجتمعي الذي عرفه المغرب حول المطالبة بمكافحة الفساد المالي، في حين أن المرجعية الثالثة تتجلى في الاستقبال الملكي لرئيس الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة عبد السلام ابودرار في فاتح ابريل 2011 و من بين ما جاء به بلاغ الديوان الملكي الإسراع بإخراج مشروع قانون لحماية الشهود و المبلغين، وعرف هذا القانون ولادة قيصرية نظرا للمدة التي خصصت لإعداده ومناقشته بعيد عن صرح الديمقراطية التشاركية.
إن ما تشكله الشهادة أنها وسيلة إثبات بامتياز بموجبها يقر شخص ما بوقائع من شأنها إظهار الحقيقة يستوجب تمكين الشاهد بضمانات حمائية تؤمن سلامته في مختلف مراحل الدعوى العمومية، حماية تتلاءم و جسامة الأخطار التي يتعرض لها الشاهد و نجد أن قانون المسطرة الجنائية ميز بين نوعين من الحماية، حماية مطلقة وحماية مقيدة، ويرجع السبب في هذا التمييز الى ان مشروع القانون 37.10 يكفل الحماية للشهود في الجرائم الواردة في المادة 108 من قانون المسطرة الجنائية إضافة الى جرائم الرشوة والاختلاس والتبديد واستغلال النفوذ، لكن هذا المشروع اعقبته تعديلات بالبرلمان بحيث لم تعد الحماية تشمل ققط شهود جرائم المال العام والجرائم الواردة في المادة 108 من ق.م,ج، بل اتسعت رقعتها لتعم جميع الجرائم.
تجليات الحماية المقيدة في المادة 82 6- :
تنص المادة 82 6- من ق.م.ج على أنه “يحق للشاهد أو الخبير في أي قضية، إذا ما كانت هناك أسباب جدية من شأنها أن تعرض أن تعرض حياته أو سلامته الجسدية أو مصالحه الأساسية أو حياة أفراد أسرته أو أقاربه أو سلامتهم الجسدية او مصالحهم الأساسية للخطر أو لضرر مادي أو معنوي إذا ما أدلى بشهادته أو إفادته، أن يطلب من وكيل الملك أو الوكيل العام للملك أو قاضي التحقيق _حسب الأحوال _ تطبيق أحد الإجراءات المنصوص عليها في البنود 6 و 7 و 8 من المادة 82 7- وذلك بعد بيان الأسباب المذكورة”، إن استقراء المادة 82 6- من ق.م.ج والتي تؤسس للحماية المقيدة المخولة للشهود في جميع الجرائم.
* باحث بماستر العلوم الجنائية و الأمنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى