فرنسا تذرف الدموع وتحصي موتاها من جديد. عاصمة الأنوار والحرية تجمع أشلاءها من جادة الإنجليز بـ«نيس» الهادئة على البحر الأبيض المتوسط، حيث كان الفرنسيون وضيوفهم وصغارهم وشيوخهم يحتفلون بعيدهم الوطني، قبل أن يحولها معتوه، في رمشة عين، إلى وديان دماء في الأرض. الفاجعة فاقت كل المقاييس. أكثر من ثمانين مواطنا وأطفالهم يرتدون ملابس الصيف ويحملون بالونات فرح، أو ينامون، هادئين، في عرباتهم الصغيرة، تطحنهم عجلات شاحنة مجنونة سارت فوق أجسادهم مسافة كيلومترين، وكان بإمكان الإرهابي أن يستمر في عجن أجساد أخرى، لولا الرصاصة التي استقرت في دماغه، وشلت حركته وحركة آلة الموت الضخمة التي كان يقودها، أو كانت تقوده إلى «الجنة». منذ مساء أول أمس، وضع العالم رأسه بين يديه من هول الصدمة، لأن الأمر لا يتعلق، هذه المرة، بحزام ناسف في ملهى ليلي، أو قرب مسرح، أو تفجير سيارة مفخخة أمام مؤسسة أمنية أو عسكرية، أو حتى تشابك بأسلحة حية في ساحة عمومية، إنه الغدر الذي يأتي من شاحنة مدنية بـ 16 عجلة ضخمة، يشغل سائقها المحرك، ثم يبسمل ويتوكل على الله ويقرأ الشهادتين، ثم يشرع في قتل الأبرياء في باحات الراجلين المكتظة، والحدائق العمومية، ولا يتوقف إلا بعد أن يتأكد أنه قتل أكبر عدد من الضـحايا. إنه الأسلوب الجديد الذي تندحر أمامه أعتى نظريات الأمن الاستباقي، وتتكسر أمامه نظريات التوقع الأكثر تماسكا، ومخططات التنسيق الإستراتيجي في مجال المخابرات وتتبع نشاط الخلايا النائمة والحية، وتحرك الأسلحة والمتفجرات في الحدود البرية والمطارات، وفي الجو والأرض، وتبادل الخبرات والمعلومات والوثائق السرية وغير السرية. هذه المرة، لا يحتاج الإرهاب سوى إلى إرادة موغلة في القتل والفتك، وغسلا جيدا للأدمغة، وتعطشا عفويا للدم والأشلاء، حتى يتأتى له تحقيق أهدافه، باستعمال وسائل وأدوات نملكها جميعا، ولا تحتاج إلى ترخيص من أجهزة أمنية ومخابرات لاستعمالها ومراقبتها. قد تكون هذه المرة شاحنة من الحجم الكبير، وقد تكون غدا سيارة رباعية الدفع، أو آلة للحفر والدك وتسوية الأرض بالأجساد، لزرع أكبر قدر من الرعب في قلوب الأنظمة. وبهذه العملية، يكون تنظيم «داعش» الوحشي انتقل إلى السرعة القصوى في أشكال الترهيب والدم وتقتيل المواطنين العزل بجنسياتهم ودياناتهم وهوياتهم وألوانهم المختلفة، ولا فرق لديه بين مسلم او يهودي أو مسيحي أو سني، أو بوذي، أو شيعي، أو... بعد هذه العملية، سيكون على العالم الجلوس قليلا، للتفكير في أساليب غير تقليدية للمواجهة، غير تقليدية بالمرة، حماية لأرواح ملايين البشر من المفروض أن يثقوا في أنظمتهم ومؤسساتهم حتى يستطيعوا اصطحاب أبنائهم، في عربات، إلى الساحات العمومية.