fbpx
ملف عـــــــدالة

سلطة القضاء تفرض فك الارتباط مع باقي السلط

حياد القاضي وعدم التبعية أو التحيز لضمان نزاهة وشرف القضاء

لم يخرج القضاء عن محور خطابات الملك محمد السادس خلال العشرية الأخيرة، بل إن أغلب الخطب الملكية تمحورت حول القضاء وإصلاحه، وفي كل مرة كان يضع حجرة في ذلك البناء الذي يعتبر في صلب الإصلاحات الدستورية التي أعلن عنها في خطاب 9 مارس الجاري، إذ أكد ضرورة “الارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة، وتعزيز صلاحيات المجلس الدستوري، توطيدا لسمو الدستور، ولسيادة القانون، والمساواة أمامه”.
ويرى المهتمون أن السلطة القضائية لكي تمارس دور الرقابة على تطبيق القاعدة القانونية بصورة عامة ومجردة لابد لها أن تشكل سلطة قائمة الذات سلطة ثالثة قادرة على إقامة العدل داخل المجتمع. ولا يمكنها أن تكون كذلك إلا إذا تحقق للقضاء الاستقلال التام في أبعد معانيه عن السلطتين التنفيذية والتشريعية والحياد النسبي عن سلطة النفس وسلطة المال وسلطة الرأي العام، ذلك أن الحياد هو الاستقلال عند الحركة أي السلوك الذي يضمن سلامة المسطرة عند البت في النزاع، بينما الاستقلال هو النظام الذي يضمن سلامة الحياة المهنية للقاضي وهما وجهان لعملة واحدة.
إذ أنه عندما تطغى سلطة الأوامر وتتجبر وتفرض قراراتها بالقوة في خرق سافر أحيانا للقانون، فإن ذلك مؤشر على ضعف سلطة القضاء وعدم قدرته على القيام بواجب الرقابة الشيء الذي ينتج عنه غياب الأمن القضائي داخل المجتمع وأحيانا أخرى خارجه، وفي مقابل ذلك عندما ينعم القضاء بالاستقلال التام عن السلطتين التنفيذية والتشريعية وبما يكفي من الحياد، فإنه يصبح قادرا على مواجهة قرارات الحاكمين المخالفة للقانون و يحد من مفعولها، ويؤكد المهتمون أن الوضع الذي يخص الاستقلالية لا يمكن أن يجد الأرض الخصبة لنموه، إلا إذا عمت الديمقراطية واحترام المؤسسات. ما يجعل الدولة نفسها تخضع للقانون، وبخضوعها للقانون فإنها تخضع للسلطة القضائية.
ولا يمكن أن تحقق استقلالية القضاء والارتقاء به سلطة مستقلة إلا بكفاءة وتجرد القضاة  كما جاء غفي خطاب ذكرى 56 لثورة الملك والشعب، هذه الكفاءة التي يقصد بها مستوى أداء القاضي والأعمال الأخرى التي يضطلع بها، وطريقة توجيه العاملين تحت إمرته لمعرفة كفاءته القضائية والقانونية، ومقدرته المهنية واللغوية والتنظيمية كما وكيفا في حسن تطبيق القانون، واستيفاء إجراءات التقاضي والمدة التي استغرقها الملف بين يديه، والتعليلات التي أقرها في أحكامه وقراراته، ونسبة الإنتاج بالمقارنة مع زملائه وما يبذله من جهد وبحث، بالإضافة إلى انضباطه في العمل وسلوكه الشخصي، ومظهره العام وطريقة التعامل مع الآخرين، أما التجرد فهو حياد القاضي وعدم التبعية أو التحيز لضمان نزاهة وشرف القضاء، والدستور يكرس استقلال السلطة القضائية لضمان حسن سير العدالة، خصوصا الفصول من 82 إلى 85 من التنظيم القضائي لرجال القضاء، والواقع المعيش يكشف بعض الجوانب السلبية التي تؤثر على حياد القاضي من خلال التدخل  في عمله وقد يجد عند بعض القضاة الأرٍضية الملائمة لذلك التدخل خوفا من نقل تعسفي أو تأخير في الترقية…
وتتوحد رؤى كل الفاعلين والمساهمين في المشروع الإصلاحي للقضاء على ضرورة تعديل قانون 11 نوفمبر 1974 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، بواسطة قانون تنظيمي، والتنصيص على مقتضيات تدعم استقلال النيابة العامة، وإصلاح التشريعات المعمول بها، وتوحيد معايير وقواعد اختيار وتعيين القضاة من طرف المجلس الأعلى للقضاء. مع الأخذ بعين الاعتبار التجارب الأجنبية التي ثبتت فعاليتها، في هذا الميدان، دون إغفال الاستناد أساسا على التاريخ والثقافة وإرث القانوني وتطلعات المجتمع المغربي.
ويطالب المهتمون بالشؤون القضائية ومن ضمنهم الودادية الحسنية للقضاة بضرورة ترؤس الملك لافتتاح دورات المجلس الأعلى للقضاء مع توسيع سلطاته، وذلك بإشرافه على القاضي منذ ولوجه المهنة إلى حين تقاعده، مع مراجعة قانون انتخاب أعضاء المجلس الأعلى للقضاء والتشدد في الشروط المطلوب توفرها في المرشح، ولا يقف الأمر عند هذا الحد  بل يجب أن تكون دوراته مفتوحة مما سيلغي أوتوماتيكيا الانتداب أو التوقيف المؤقت، ودسترة المجلس الأعلى للقضاء، وإعادة النظر في  طريقة انتخاب القضاة الممثلين لزملائهم، على اعتبار أن سلطة القرار ترجع إلى الأعضاء، الذين يجب أن تتوفر فيهم مجموعة من الشروط الأساسية لتمثيل القضاة والدفاع عن حقوقهم.

كريمة مصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى