fbpx
ملف عـــــــدالة

ضرورة توفير الأمن القضائي

قد يوحي هذا العنوان بأن الأمر يتعلق بحراسة المحاكم والقضاة أو أنه يتعلق بالمساعدة القضائية، غير أن ذلك لا علاقة له بالمفهوم الجديد المتطلب في مرفق العدل.
لقد أوضحت التجربة وبينت جليا أن مصلحة الأفراد والجماعات لا تكمن فقط في سن القوانين أو النصوص التنظيمية للقول بوجوب الانصياع لها وفرض تطبيقها بتبرير طفوح دولة الحق والقانون، بل إن الأمر يتعدى ذلك ويتطلب بالإضافة إلى النصوص التشريعية والتنظيمية المحكمة والمستجيبة للمصالح الاجتماعية والاقتصادية تحقيق ما يسمى الأمن القضائي.
إن الأمن القضائي يتجلى في توفير الاطمئنان للمتقاضين لدى المؤسسة القضائية، وهذا لا يتأتى إلا بالرقي بمستوى الخدمات التي يؤديها من خلال جودة الأداء واستقرار الاجتهاد والعمل القضائيين بما يتوازن وروح التشريع وتحقيق العدل بين مكونات المجتمع، ولا يختلف لديه في ذلك الأفراد أو الجماعات والأشخاص المعنوية أو الإدارة والمؤسسات العمومية، إذ أن الأمن القضائي يعتبر حقيقة ملاذا للكل لدرء تعسف البعض وطغيانه.
ولتوفير الأمن القضائي ينبغي تأهيل مهنييه، كما جاء في خطاب جلالة الملك محمد السادس بتاريخ 30 يوليوز 2007 بمناسبة عيد العرش:
«يتعين على الجميع التجند لتحقيق إصلاح شمولي للقضاء لتعزيز استقلاله الذي نحن له ضامنون، هدفنا ترسيخ الثقة في العدالة وضمان الأمن القضائي الذي يمر عبر الأهلية المهنية والنزاهة والاستقامة وسيلتنا صيانة حرمة القضاء وأخلاقياته ومواصلة تحديثه وتأهيله…».
ومن مظاهر الأمر القضائي التأكيد على مبدأ استقلال القضاء بشكل كلي سواء من خلال استقلالية جهازه بخصوص الإدارة والاستقلال المالي وكفالة ذلك للقضاة فقط دون غيرهم (التعيين، التأديب، منح الرخص، رصد ميزانية القضاة…) ثم احترام استقرار الاجتهاد القضائي بما يكفل أيضا تجنب التضارب أو التراجع عن القرارات التي كانت محل الاجتهاد، واعتبار كل تعديل لاحق له قضاء مكملا أو حلا إضافيا لنازلة ما حتى لا يحرم القضاة من مرونة عملهم وضرورة ملائمة القوانين مع النوازل التي تعرض عليهم في إطار الأمن التشريعي أيضا.
وفي هذا الصدد يجب تطوير العمل القضائي لدى المجلس الأعلى بما يجعله يخلق انسجاما بين غرفه وأقسامه من جهة، والحرص على الاهتمام باجتهاداته من طرف محاكم الموضوع، ولا يتسنى ذلك إلا من خلال خلية قضائية بربط إنتاج المجلس الأعلى بقاعدة عدم التناقض بين القرارات ثم جمع الاجتهاد المتحصل من غرفتين أو أكثر (الغرف مجتمعة) وتبليغه إلى جميع رؤساء وقضاة المحاكم، وكذلك إلى هيآت المحامين فضلا عن تبليغه إلى الأمانة العامة للحكومة، وذلك بهدف تعديل القاعدة القانونية من جهة بالنسبة إلى من يهمه الأمر ثم تحقيق الأمن القضائي بالنسبة إلى المتقاضين من جهة ثانية.
وتجدر الإشارة إلى أن مواضيع أخرى لها صلة بالموضوع كالسلطة التقديرية للمحكمة التي يجب أن يوضع لها حد وترسم لها خطوط حمراء حتى لا تتجاوز بشكل تعسفي وتضيع الحقوق، وفي هذا الإطار ينبغي سن مسؤولية الدولة عن الأحكام القضائية في حالات خاصة، كالحالة التي يتم فيها نقض قرار أو حكم بسبب تجاوز السلطة أو الشطط في استعمالها كتعديل الفصل 79 أو 80 من قانون الالتزامات والعقود.
ومن المواضيع التي لها علاقة بما ذكر توسيع طرق الطعن في الأحكام أو القرارات النهائية سيما في ما يتعلق بالنقض لفائدة القانون أو المراجعة بما يمنح الحق للأطراف الاستفادة منه ثم تعديل الفصلين 381 و382 من قانون المسطرة المدنية بما يكفل رفع الطلب ممن له المصلحة، خاصة أن الأمر يتعلق بالشطط في استعمال السلطة القضائية.
وإن هذه السلطة هي التي أعلن عنها جلالة الملك في خطابه السامي ليوم 9 مارس 2011 عن مبدأ إقرارها في التعديل الدستوري المرتقب، والكفيلة بتحقيق الأمن القضائي، إذ باستقلال السلطة القضائية عن السلطتين التنفيذية والتشريعية (بعد تعديل الفصل 82 من الدستور طبعا وكذلك للفصول التالية له) سوف نصل إلى مستوى الحرية المنشودة التي عبر عنها جلالة الملك والتي قال عنها الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو في مؤلفه «روح القوانين» ( 1748) لا وجود بعد للحرية إذا لم تفصل قوة (puissance) القضاء عن القوة التشريعية والتنفيذية، وهو يعني بذلك فصل السلطة (autorité) القضائية واستقلالها عن السلطتين التشريعية والتنفيذية.

بقلم: مصطفى أشيبان: دكتور في الحقوق
عضو الاتحاد الدولي للمحامين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى