إطلاق سراح طبيب بالعرائش بدون كفالة يشعل جدلا حول المسؤولية والزجر بين متقاضين يسعون إلى تدعيم ملفاتهم القضائية، وأطباء يجد بعضهم نفسه في دائرة الشبهات، بسبب وثائق لا تعكس حقيقة الوضع الصحي للمرضى، تحولت الشهادات الطبية في عدد من القضايا إلى عنصر حاسم في مسار العدالة. فهذه الوثيقة، التي يفترض أن تكون وسيلة لإثبات الضرر وحماية الحقوق، أصبحت في بعض الحالات محط جدل، بسبب ما يثار حول منحها بالمجاملة أو نتيجة تدخلات ووساطات، وما يترتب عن ذلك من تأثير على مسار الأبحاث والمحاكمات، إذ مع توالي القضايا المعروضة على القضاء، يتجدد النقاش حول مدى نجاعة آليات مراقبة الشهادات الطبية وضمان صدقيتها، وحول مسؤولية مختلف المتدخلين في التصدي لظاهرة تمس ثقة المواطنين في العدالة والمنظومة الصحية، على حد سواء. إعداد: المختار الرمشي (طنجة) لم يعد الجدل المرتبط بالشهادات الطبية يقتصر على الأوساط الصحية أو القضائية، بل تحول في السنوات الأخيرة إلى موضوع متكرر داخل المحاكم ومصالح الشرطة القضائية، مع توالي الملفات التي أثيرت بشأنها شبهات تتعلق بمضمون بعض الوثائق الطبية أو بمدد العجز المضمنة بها. ولعل قضية طبيب بالمستشفى الإقليمي "لالة مريم" بالعرائش، الذي وجد نفسه في قلب تحقيق قضائي مرتبط بشهادة طبية مثيرة للجدل، من أحدث القضايا التي أعادت هذا الملف إلى واجهة النقاش، ليس فقط بسبب طبيعة الأفعال موضوع البحث، ولكن أيضا بسبب ما أثارته من تساؤلات حول حدود المسؤولية المرتبطة بتحرير هذه الوثائق ومدى تأثيرها على مسار العدالة. خبرة مضادة تثير الشبهات تفجرت قضية العرائش، بعد منح طبيب مداوم بقسم المستعجلات بالمستشفى الإقليمي "لالة مريم" بالمدينة، شهادة طبية لشخص ادعى أنه تعرض لاعتداء من قبل أحد أقاربه بجماعة سوق الطلبة (دائرة القصر الكبير)، مدة العجز فيها تصل إلى 30 يوما، فتحت النيابة العامة إثرها تحقيقا بعدما أثارت الوثيقة الطبية شكوكا حول معطياتها، التي تبين أنها لا تنسجم مع الحالة الصحية الحقيقية لحاملها، وأمرت بالاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية، وإخضاع المستفيد من الشهادة لخبرة طبية مضادة، للتحقق من مدى تطابق الإصابات المصرح بها مع حالته الصحية الفعلية. وبعد انتهاء الأبحاث الأولية والاستماع إلى الطبيب وصاحب الشهادة ومسؤولين بالقطاع الصحي، قرر وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالقصر الكبير متابعة الطبيب في حالة سراح بدون كفالة، مع إصدار أمر بإغلاق الحدود في وجهه ومواصلة البحث للكشف عن جميع ظروف وملابسات القضية، خاصة ما يتعلق بتحديد هوية الأشخاص الذين يشتبه تدخلهم أو توسطهم للحصول على الشهادة موضوع التحقيق. وخلف قرار النيابة العامة استغراب عدد من الفاعلين الحقوقيين والنقابيين، الذين اعتبروا إطلاق سراح الطبيب بدون كفالة لا ينسجم مع مقتضيات الفصل 364 من القانون الجنائي، الذي يحمل المسؤولية الجنائية لكل طبيب صدرت عنه، خلال مزاولته لمهنته، بيانات غير حقيقية أو حابى شخصا وقدم له إقرارا كاذبا بشأن مرض أو العجز، مبرزين أن الدلائل ومعطيات الملف، بما فيها نتائج الخبرة الطبية المضادة، تثبت أن الحالة الصحية لصاحب الوثيقة الطبية لا تنسجم مع مدة العجز المضمنة بها. وثيقة تسلب الحرية اعتبر مصطفى البرمكي، فاعل نقابي بالقصر الكبير، أن خطورة الشهادات الطبية لا تكمن فقط في أنها وثائق تصدر عن مهنيي الصحة، بل في تأثيرها المباشر على مصير الأشخاص المعروضين على القضاء، باعتبارها من بين أهم وسائل الإثبات المعتمدة في ملفات الضرب والجرح والعنف الأسري وحوادث السير. وأضاف أن أي تلاعب محتمل في هذا النوع من الوثائق، قد يترتب عنه المساس بحقوق المتقاضين، سواء من خلال تشديد المتابعات في حق أشخاص لا تستدعي الوقائع متابعتهم بتلك الصورة، أو من خلال التأثير على تقدير القضاء لخطورة الأفعال المرتكبة. وأوضح البرمكي، في حديث مع "الصباح" أن عددا من القضايا التي عرضت على المحاكم خلال السنوات الأخيرة أعادت طرح إشكالية الشهادات الطبية الممنوحة بالمجاملة أو نتيجة تدخلات ووساطات، مبرزا أن الأخطر في هذه الممارسات هو أنها تمس ثقة المواطنين في العدالة وفي المؤسسات الصحية على حد سواء. وأكد أن الشهادة الطبية ليست مجرد ورقة إدارية، بل وثيقة قد تساهم في سلب شخص حريته أو تغيير المسار القانوني لقضية معروضة على القضاء، ما يفرض تشديد المراقبة على كيفية إصدارها وتفعيل المساءلة القانونية كلما ثبت وجود معطيات غير صحيحة أو مخالفة للواقع. كما دعا إلى إرساء آليات أكثر صرامة لمراقبة هذا المجال الحساس، بما يضمن حماية حقوق المتقاضين وصون مصداقية المهنة الطبية والمؤسسات القضائية في الوقت نفسه. الشهادة مسؤولية قانونية أكد شوقي أوميران، مدير المنطقة الصحية بإقليم العرائش، أن الشهادة الطبية ليست مجرد وثيقة إدارية تسلم للمرضى عند الطلب، بل محرر طبي رسمي تترتب عنه آثار قانونية وقضائية قد تؤثر بشكل مباشر على مسار ملفات معروضة أمام المحاكم أو مصالح الشرطة القضائية، ما يفرض على الأطباء التحلي بأقصى درجات الدقة والمسؤولية أثناء تحريرها. وأوضح أن الضوابط المهنية المعمول بها تلزم الطبيب بالاعتماد حصرا على المعاينة الطبية والنتائج السريرية المتوفرة لديه، دون التأثر بأي اعتبارات أخرى قد تمس موضوعية التشخيص أو مصداقية المعطيات المضمنة بالشهادة. وقال المتحدث ذاته، في اتصال مع "الصباح"إن "حالات الاشتباه في وجود تجاوزات أو أخطاء مهنية، إن ثبتت، تظل حالات معزولة ولا يمكن أن تحجب المجهودات التي يبذلها آلاف الأطباء الذين يؤدون مهامهم وفق القوانين وأخلاقيات المهنة. فالقطاع الصحي يتعامل بجدية مع كل ما من شأنه المساس بمصداقية الوثيقة الطبية أو بثقة المواطنين في المرفق الصحي، واحترام المساطر القانونية يقتضي ترك الجهات القضائية المختصة تستكمل أبحاثها وتحدد المسؤوليات بناء على المعطيات المتوفرة لديها". وشدد المسؤول الصحي على أهمية التكوين المستمر والتحسيس بأخلاقيات المهنة، وتعزيز ثقافة المسؤولية داخل المؤسسات الصحية، بما يضمن الحفاظ على القيمة القانونية والطبية للشهادة الطبية ويصون الثقة التي يضعها المواطنون في الأطر الصحية. الخبرة تكشف المستور أكد مسؤول أمني بولاية طنجة، أن المصالح الأمنية تتعامل مع الشهادات الطبية باعتبارها وثائق رسمية تدخل ضمن عناصر الإثبات المعتمدة في عدد من القضايا المعروضة على العدالة، غير أن ذلك لا يمنع من إخضاعها للتحقق كلما برزت معطيات أو مؤشرات تثير الشك حول مدى تطابقها مع الحالة الصحية الحقيقية للشخص المعني. وأوضح أن الأبحاث المنجزة في هذا النوع من الملفات لا تعتمد فقط على مضمون الشهادة الطبية، بل تشمل أيضا الاستماع إلى الأطراف المعنية، وإجراء المعاينات الضرورية، والاستعانة بخبرات طبية مضادة كلما اقتضت الضرورة ذلك، من أجل التأكد من صحة المعطيات الواردة بالوثيقة الطبية. وأوضح المتحدث، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أن الخبرات الطبية المضادة لعبت في عدد من القضايا دورا حاسما في كشف تفاوتات بين الإصابات المصرح بها والحالة الصحية الفعلية للأشخاص المعنيين، ما مكن من توجيه الأبحاث نحو فرضيات جديدة لم تكن مطروحة في البداية. وأبرز أن الصعوبة الأساسية في هذا النوع من الملفات لا تكمن فقط في التحقق من صحة الشهادة الطبية، بل أيضا في إثبات وجود أي تواطؤ أو مجاملة أو تدخل محتمل وراء إصدارها، وهو ما يتطلب أبحاثا دقيقة واستجماع قرائن قانونية كافية قبل ترتيب أي مسؤولية. واختتم المسؤول الأمني حديثه مع "الصباح" بالقول إن كل ملف تتوفر بشأنه مؤشرات جدية على وجود معطيات غير صحيحة أو مخالفة للواقع تتم إحالته على النيابة العامة المختصة، التي تعتبر الجهة المخول لها قانونا اتخاذ القرارات المناسبة في ضوء نتائج الأبحاث المنجزة. ترند: ملفات أثارت الجدل لم تقتصر تداعيات قضية الطبيب المشتبه في تورطه في إصدار شهادة طبية مثيرة للجدل على الأوساط القضائية والصحية، بل امتدت إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تحولت القضية إلى موضوع نقاش واسع بين آلاف المتابعين الذين تداولوا تفاصيلها على صفحات "فيسبوك" و"إكس" و"إنستغرام"، وأعادوا طرح أسئلة قديمة حول مدى مصداقية بعض الشهادات الطبية المستعملة في النزاعات والقضايا المعروضة على العدالة. واعتبر عدد من النشطاء أن الواقعة ليست سوى نموذج لظاهرة أوسع ترتبط، بحسب تعليقاتهم، بوجود حالات يتم فيها اللجوء إلى الشهادات الطبية لتقوية ملفات الضرب والجرح أو التأثير على مسار بعض القضايا. وانقسمت آراء المتفاعلين بين من اعتبر أن قضية "طبيب العرائش" مازالت في بدايتها وأن الطبيب يتمتع بكامل حقوقه القانونية، بما فيها قرينة البراءة، إلى حين انتهاء التحقيقات الجارية، وبين من رأى أن المعطيات المتداولة بشأن الملف تثير الكثير من علامات الاستفهام، خاصة بعد الحديث عن نتائج خبرة طبية مضادة قيل إنها لا تتطابق مع المعطيات الواردة في الشهادة موضوع التحقيق. وذهب بعض المعلقين إلى المطالبة بتشديد العقوبات على كل من يثبت تورطه في تحرير أو استعمال وثائق طبية تتضمن معطيات غير صحيحة، معتبرين أن الأمر لا يتعلق بمخالفة مهنية بسيطة، بل بسلوك قد يؤثر بشكل مباشر على حقوق الأفراد وعلى سير العدالة. وتداولت صفحات محلية ووطنية عشرات المنشورات التي استحضرت قضايا مشابهة سبق أن أثارت الجدل في مدن أخرى، فيما دعا عدد من النشطاء إلى اعتماد خبرات طبية مضادة بشكل أوسع في الملفات التي تثار بشأنها الشكوك، إلا أنه في المقابل، حذر آخرون من إصدار أحكام مسبقة قبل انتهاء البحث القضائي، مؤكدين أن حماية مصداقية المهنة الطبية تقتضي أيضا احترام المساطر القانونية وترك القضاء يقول كلمته النهائية. وبين هذا الرأي وذاك، أعادت قضية العرائش ملف الشهادات الطبية إلى واجهة النقاش العمومي، وفتحت الباب أمام مطالب متزايدة بإحكام المراقبة على وثيقة قد تكون في بعض الأحيان حاسمة في تحديد مصير المتقاضين. تعزيز الخبرات المضادة ما أهمية الشهادة الطبية في القضايا الجنحية؟ وكيف يمكن أن تؤثر على مسار المتابعات؟ تعتبر الشهادة الطبية من بين أهم وسائل الإثبات المعتمدة في عدد من القضايا الجنحية، خاصة تلك المتعلقة بالضرب والجرح والعنف بمختلف أشكاله. ورغم أنها لا تشكل دليلا قاطعا أو ملزما للقاضي، فإنها تكتسي أهمية كبيرة في تكوين قناعته وتحديد الوصف القانوني للأفعال موضوع المتابعة. فمدة العجز المضمنة بالشهادة الطبية قد يكون لها تأثير مباشر على تكييف الجريمة والعقوبة المترتبة عنها، كما تستند إليها مصالح الشرطة القضائية والنيابة العامة أثناء مباشرة الأبحاث واتخاذ القرارات المناسبة. غير أن القضاء لا يكتفي بالشهادة الطبية وحدها، بل ينظر إليها ضمن مجموعة من العناصر والقرائن الأخرى، بما فيها تصريحات الأطراف والشهود والخبرات الطبية المنجزة عند الاقتضاء. متى تتحول الشهادة الطبية من وسيلة إثبات إلى فعل يمكن أن يرتب مسؤولية جنائية في حق الطبيب أو المستفيد منها؟ تتحول الشهادة الطبية إلى مصدر للمساءلة الجنائية عندما يثبت أنها تتضمن معطيات غير صحيحة أو لا تعكس حقيقة الحالة الصحية للشخص المعني، سواء نتيجة مجاملة أو تدخل أو أي سبب آخر. وقد نظم المشرع المغربي هذه المسألة بشكل صريح من خلال الفصل 364 من القانون الجنائي، الذي يرتب المسؤولية على كل طبيب يصدر، أثناء مزاولته لمهنته، إقرارا كاذبا أو يتضمن معطيات غير صحيحة بشأن مرض أو عجز. كما أن المسؤولية لا تقتصر على الطبيب وحده، بل يمكن أن تمتد إلى كل شخص يثبت تورطه في التحريض أو الوساطة أو الاستفادة من الوثيقة، مع علمه بعدم صحة مضامينها. لذلك فالأمر لا يتعلق بمجرد خطأ مهني، بل بفعل يرتقي إلى أفعال يعاقب عليها القانون متى توفرت عناصرها القانونية وثبتت أمام الجهات المختصة. رغم تجريم إصدار شهادات طبية تتضمن معطيات غير صحيحة، فهل تحتاج المنظومة الحالية إلى آليات إضافية للمراقبة والزجر؟ أعتقد أن الإشكال لا يرتبط بغياب النصوص القانونية بقدر ما يرتبط بمدى تفعيلها على أرض الواقع. فالمشرع وضع مقتضيات واضحة تجرم هذه الأفعال، غير أن إثباتها يظل في كثير من الأحيان أمرا معقدا، لأنه يتطلب أبحاثا دقيقة وخبرات طبية وقرائن قوية تثبت وجود تعمد أو تواطؤ. كما أن عددا من الملفات لا يصل إلى مرحلة المتابعة بسبب صعوبة الإثبات أو غياب الشكايات. ومن وجهة نظري، فإن مواجهة هذه الظاهرة تقتضي تعزيز اللجوء إلى الخبرات الطبية المضادة كلما ظهرت مؤشرات تدعو إلى الشك، وتشديد المراقبة على مسطرة إصدار الشهادات الطبية، إلى جانب تفعيل آليات المساءلة التأديبية والجنائية عند الاقتضاء. فحماية مصداقية الشهادة الطبية لا تهم القطاع الصحي وحده، بل ترتبط أيضا بضمان حقوق المتقاضين وصيانة الثقة في العدالة. (عبد الله الزايدي ) فاعل سياسي ومحام بهيأة طنجة