باحثون في ملتقى "ربيع ركراكة" يرصدون تاريخ الطائفة ومساراتها احتضنت الخزانة الوسائطية بالصويرة، أخيرا، فعاليات الدورة الثانية لملتقى ربيع ركراكة، الذي نظمته جماعة زاوية بن احميدة، ومؤسسة نقيب زوايا ركراكة وشركة التنمية المحلية الصويرة ثقافة فنون وتراث بتنسيق مع جامعة شعيب الدكالي بالجديدة والمديرية الإقليمية لوزارة الثقافة، تحت شعار "دور ركراكة من الروحي والتراثي إلى التنمية الترابية المندمجة". وعرف الملتقى مشاركة عدد من الباحثين والأساتذة الجامعيين. في هذا الخاص تأخذكم "الصباح" في أجواء بعض المداخلات التي عرفها الملتقى. إعداد: عزيز المجدوب ـ تصوير: أحمد جرفي (موفدا "الصباح" إلى الصويرة) اختار الباحث نور الدين امعيط أن يخصص مداخلته لموضوع "صلحاء ركراكة ووظائفهم في مجتمع المغرب الأقصى" ضمن الجلسة المخصصة في ملتقى ربيع ركراكة لمحور "بلاد ركراكة: تاريخ وأركيولوجيا". وبسط الأستاذ في شعبة التاريخ بجامعة السلطان مولاي سليمان مداخلته عبر ثلاثة محاور، أولها تطرق ل"قبيلة ركراكة.. الاسم والنسب والمجال"، والثاني ل"ركراركة أرض السلام والعلم" أما الثالث فتمحور حول "صلحاء ركراكة ووظائفهم". واعتبر امعيط أن منطقة ركراكة والشياظمة لم تنل حظها اللازم من الدراسة والبحث والتنقيب، إذ ما زالت مجالا خصبا وبكرا رغم أهميتها الروحية بحكم أنها مهد للحركة الصوفية منذ العصر الوسيط المبكر، كما ظلت مركزا نشيطا للتصوف السني بالمغرب، وتضاهي كبريات المراكز الصوفية مثل دكالة وتادلة وفاس على مستوى النشاط والحركة الصوفية والزهاد والعباد. ركراكة.. مجال وأنساب وكرامات حدد الباحث في التاريخ قبيلة ركراكة باعتبارها قبيلة مصمودية عريقة، محاولا الحسم في نسب هذه القبيلة التي استوطنت جبل الحديد، مشيرا إلى أن اسمها مشتق من اللفظة الأمازيغية "أرّك" التي تفيد فعل البركة، ومنها "تاراكت" و"إيركراكن" و"أركراك". كما استحضر المتحدث نفسه سردية سبعة رجال ركراكة وزيارتهم للنبي محمد ودورها في ترسيخ المكانة الروحية لهذه القبيلة التي كانت في الأصل مجالا شاسعا تقلص في ما بعد، ليظل حضور ركراكة موزعا بين مناطق عديدة في المغرب. وتوقف امعيط عند مسألة "الصلاح والعلم" مستحضرا العديد من الأسماء والشخصيات لشيوخ وعلماء ركراكيين ورد ذكرهم في العديد من المصادر، فضلا عن شق آخر متعلق بالكرامات التي ذكر منها كرامة الدعاء المستجاب وطي المسافات والتمييز بين الحلال والحرام والمشي فوق الماء والطيران في الهواء والمأمن من الحيوانات الضارية. واستحضر صاحب كتاب "تاريخ الغرب الإسلامي.. حفريات في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي" مجموعة من الملاحظات في سياق حديثه عن كرامات صلحاء ركراكة، منها أن الكرامة ليست شيئا خارقا فحسب، بل يجب النظر إليها كبنية اجتماعية ثقافية ورمزية لا واعية. ودعا الباحث إلى تجاوز البحث في الصحة الواقعية للكرامة وتحديد وظيفتها في تشكيل الوعي الجماعي وتجسيد السلطة الروحية والتماسك الاجتماعي، ولا ينظر إليها في بعدها العجائبي بل تدرس كحقيقة واقعة وخطاب ينتج المعنى ويمنح الولي سلطة رمزية داخل المجتمع. وعدد امعيط وظائف صلحاء ركراكة، مشيرا إلى أنهم قاموا بعدة أدوار ولم ينفصلوا يوما عن مجتمعهم بالمغرب، فهناك الوظيفة التربوية إذ أعطى صلحاؤهم المثل الأعلى للناس بسلوكاتهم وفضائلهم بنشر الإسلام وتحفيظ القرآن وتعميم المعرفة وتعليم الناس العلوم الشرعية، فضلا عن الوظيفة الاجتماعية المتمثلة في إطعام الطعام باعتباره شرطا من شروط الولاية وشفاء الأوجاع. كما تحدث عن الوظيفة السياسية والجهادية ودور صلحاء ركراكة في الحروب ضد البورغواطيين (شخصية يعلى بن مصلين) واستمرار وظيفة الجهاد بعد أن تحولت رباطاتهم إلى زوايا قادت الجهاد ضد الغزو البرتغالي الذي استهدف السواحل المغربية خلال القرن 16 ميلادي. محطات الموسم الركراكي في مداخلته توقف الباحث إسماعيل المجدوب عند موضوع "محطات الموسم الركراكي: دراسة خرائطية لمسار الدور" مشيرا إلى أن هذا الطواف السنوي يتميز عن باقي كل المواسم المغربية لامتداده الزمني والمكاني الطويل والشاسع، والقائم على إيقاع الانتقال المؤطر بالعمق التاريخي، والمرجعيات التراثية، ومعتقدات تحف بها الرواية الشفوية من كل جانب، ويؤصل لها حكي تتداخل فيه الوقائع التاريخية بالأسطورة. يشير الباحث المجدوب إلى أن "الدور" أو الموسم الركراكي يقطع مسافة 424 كيلومترا في مساحة 3700 كيلومتر مربع. ويتتبع الباحث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة مسار الدور من الانطلاق (زاوية بن احميدة) إلى الوصول (سيدي علي بن معاشو، وهنا يقول إن الطائفة الركراكية تلتقي برئاسة نقيبها ومقدميها وشيوخها ورجالات السلطة، ممثلة في شخص عامل إقليم الصويرة، قرب ضريح علي بن بوعلي، بعد أداء صلاة الجمعة، وإطعام الطعام بزاوية نقيب ركراكة بن احميدة الكائنة بجماعة بيركوات، وسط جو من البهجة والقداسة لهذا الطقس، تحت شجرة "أركان" تقدم العطايا والهدايا من الثيران. وتخرج خيمة ركراكة من زاوية بن احميدة معلنة انطلاق الدور الركراكي لتصل إلى عيسى مول الخابية، ثم تواصل نحو سيدي قاسم إلى سيدي علي حساين بقيادة الصويرية القديمة، حيث يبيت الموكب ليلتين. ومن زاوية سيدي علي حساين إلى سيدي إسحاق، ومنها إلى سيدي منصور، يمر موكب ركراكة دون مبيت، حيث ترفع الأدعية ثم تنطلق الطائفة إلى المحطة الموالية من سيدي منصور إلى سيدي مسعود حيث يصله الموكب ويبيتون فيه ليلة واحدة، ومنه إلى سيدي صالح ثم إلى بوبكر أشماس بزاوية أقرمود، حيث يقضي الموكب ليلتين. ويكمل الدور دورته الشمالية الغربية حيث ينطلق من زاوية بن احميدة، ويمر على جماعات جنوب آسفي (الغيات والتوابث والمعاشات) وشمال إقليم الصويرة ويصل إلى زاوية سيدي علي أحماد بزاوية أقرمود ليقطع الدور مسافة 78 كيلومترا. ومن زاوية أقرمود (سيدي بوبكر أشماس) نحو مولاي بوزرقطون، يقضي به الموكب ليلتين، بعدها يسير الموكب نحو مدينة الصويرة وهي الأخرى تظل فيه الطائفة الركراكية ليلتين. ويكون خروج الموكب من الصويرة نحو سيدي ستة وستين وسيدي بويعقوب (سيدي علي السايح) وصولا إلى سيدي واسمين دفين جبل الحديد و"سلطان ركراكة"، ويبلغ طول المجال الساحلي الذي يقطعه الدور حوالي 162 كيلومترا. ويواصل إسماعيل المجدوب تتبع مسار "الدور" مشيرا إلى أنه ينطلق من سيدي واسمين إلى سيدي بولمان ومنه إلى سيدي عيسى مول العهد مرورا بسيدي واطيل (واصل)، ثم سيدي حمو وحسين بزاوية سيدي بولعلام وسيدي لحسن بزاوية مرزوك ومنها إلى "لالة بيت الله" بزاوية سكياط، ثم مطافي الحوف وسيدي عبد الله أمزيل عبر الجوادرة بالمزيلات. ومن زاوية امزيلات نحو أحمر الشنتوف يتجه الموكب نحو سيدي احمد مرزوق في اليوم نفسه، ثم سيدي مسعود أحوير وبعده سيدي عبد الله مول الغيران نحو سيدي عبد النعيم بمركز تافتاشت، ثم إلى سيدي سعيد السابق بقيادة مسكالة بعد المرور على سيدي العربي بورخايل ثم سيدي احمد بن إبراهيم بقيادة الحنشان. وينتقل الموكب، يضيف الباحث نفسه، إلى لالة رقية اكويدير وسيدي علي الكوش بقيادة الحنشان، نحو سيدي عبد الله بن سعيد بقيادة مسكالة، وبعد يومين، يواصل الموكب في اتجاه سيدي موسى وسيدي عبد الله بن واسمين بقيادة الحنشان، ومنه إلى سيدي علي بن معاشو بقيادة حد الدرا حيث يختتم طواف الدور. ملاحظات وخصائص ويسجل الباحث إسماعيل المجدوب مجموعة من الملاحظات، بخصوص مسار الدور، منها المكانة التي تحظى بها منطقة أقرمود، باعتبار ترابها يضم ثلاثة قديسي ركراكة، لذا فإن مزارها يعج بالمواقع التي يمر منها الدور وتعد أطول مدة مكوث 13 يوما. كما يقضي الدور في قيادة ركراكة حوالي أربعة أيام بسيدي بوبراهيم وسيدي عبد الله بن صالح وتالمست وزاوية بن احميدة، أما بقيادة اثنين الغيات والصويرة القديمة فيقضي الدور يومين. أما بالصويرة فتتسلم الطائفة الركراكية الهبة الملكية بمسجد زاوية ركراكة، ويقضي الدور يوما واحدا بالمدينة، فيما تعد قيادة امرامر ثاني أطول مدة يقضيها الدور بمجالها بعد قيادة أقرمود حيث تصل المدة بها حوالي 8 أيام، بينما تتوزع مدة المكوث بقيادة الشياظمة الشمالية يومين وقيادة مسكالة ثلاثة أيام وباشوية الحنشان يومين وقيادة الشياظمة الجنوبية يومين. مواقع ومدن مندرسة اختار الباحث إبراهيم المناري التطرق، نيابة عن باحثين آخرين مشاركين معه في المداخلة، إلى موضوع "التوغل البرتغالي في المناطق الداخلية وأثره في اندراس مواقع تارتر وسرنو وامرامر". واعتبر المناري أن المواقع الثلاثة تندرج ضمن مجال كبير كان يسمى "دكالة الكبرى" يضم مجالات أخرى، منها عبدة وجزء من الشياظمة وجزء من أحمر وجزء من الرحامنة. وأضاف الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية، أنه كان هناك تفاعل بين سكان المواقع الثلاثة، والذي كان يضم ست قبائل أمازيغية منها ركراكة، وهذا التفاعل الثلاثي نتج عنه إنشاء مجموعة من المدن المحصنة والمسورة والقرى وبعض المراكز الاقتصادية المرتبطة بالطرق. وما يميز هذه المواقع، حسب الباحث نفسه، هو أنها كانت مراكز داخلية وليست ساحلية، خضعت لتأثيرات برتغالية وهي اليوم مندرسة وتربط بينها مجموعة من القواسم المشتركة. وحاول المناري أن يوضح ما إذا كان اندراس هذه المواقع مرتبطا بشكل مباشر بالتدخل البرتغالي أم أن له علاقة بتفاعل عوامل متعددة، منها ما هو سياسي وما هو مجالي. كما توقف الباحث عند ملامح الاستقرار والبنية المجالية قبل اندراس المواقع الثلاثة، مع إبراز أنماط التعمير ووظائفها المجالية، وحاول أن يبرز تأثير التوغل البرتغالي في تفكيك المجال الداخلي. ويشير المناري إلى التوغل البرتغالي، رغم أنه لامس السواحل، إلا أنه انطلق منها نحو المناطق الداخلية، وقد اعتمد البرتغاليون في توغلهم على آليتين أولاها التحالفات المحلية والعملاء (يحيى أوتعفوفت)، وثانيا التدخل العسكري الذي اختلف تأثيره نسبيا من موقع إلى آخر، بالنظر إلى حجم الدمار والتفريغ الديمغرافي والإخضاع الاقتصادي الذي قام به البرتغاليون. واعتبر المتحدث نفسه أن التوغل البرتغالي ساهم بشكل كبير في تخريب ودمار هذه المواقع وزعزعة استقرارها وإعادة تشكيل المجال، لكنه لم يكن السبب الوحيد، إذ تضافرت عوامل أخرى مجالية واقتصادية كان لها دور في اختفاء هذه المواقع واندراسها.