fbpx
ملف الصباح

عواطف تعتزل الدعارة بعد تجربة حب

تزوجت وأنجبت فلم تستطع الاندماج داخل عائلة زوجها التي ترفض ماضيها

لم تكن عواطف، (اسم مستعار)، تتوقع أن توبتها وقرارها الذي اتخذته بمغادرة عالم الدعارة دون رجعة، سيجر عليها كل تلك الويلات، بدءا من عائلتها المقربة، وصولا إلى جيرانها والمحيطين بها ممن لم يتقبلوا حياتها الجديدة، العادية والبسيطة.
كانت عواطف، التي تبلغ من العمر اليوم 36 سنة، فتاة جميلة من أسرة بسيطة جدا، توفي عائلها لتجد نفسها، وهي الابنة البكر، مسؤولة عن حياة 6 أفراد  من بينهم الأم، لا يجدون ما يسدون به رمقهم، مما اضطرها إلى ترك الدراسة، خاصة أنها لم تكن متفوقة فيها، من أجل البحث عن وظيفة تضمن لها أجرة شهرية تستطيع من خلالها تلبية حاجات الأسرة من مأكل وملبس وتطبيب وغيره، وهي الوظيفة التي لم تأت أبدا.
تحكي عواطف، وهو بالمناسبة الاسم الذي كانت تستعمله المعنية أثناء مزاولة “نشاطها”، ل”الصباح”، عن بدايات دخولها عالم الدعارة المخيف، وتقول “كانت لدينا جارة تمارس القوادة، ولم تكن تجد غضاضة في التلميح لوالدتي في كل مرة تلتقيها بأنها تملك كنزا لا تعرف قيمته… وكانت والدتي تعرف جيدا أنها تقصدني، فقد كنت بالنسبة إلى تلك الجارة فريسة ستجني من ورائها الكثير من المال… بعد أن أدارت لنا الدنيا ظهرها عقب وفاة والدي، وجدت جارتنا الفرصة سانحة للتصريح هذه المرة لوالدتي برغبتها في أن تشغلني معها، ولم تأل جهدا في إغراءها بالمال والجاه والثروة التي سيستفيد منها الجميع. وبعد مدة غير طويلة، استجابت والدتي للدعوة لأخطو أولى خطواتي في عالم مجهول، بتشجيع ودعم من الوالدة نفسها سامحها الله. لكني أعذرها اليوم حين أتذكر أننا كنا عرضة للتشرد بسبب فقرنا”.
وتواصل عواطف حديثها الذي لم يكن لتشوبه ذرة حنين إلى الماضي، بالقول “إنه عالم عجيب. ماشي ساهل تدخل ليه وتفرض نفسك فيه. خاصك تكوني باطرونا ديال بصح، ولا يركبو عليك الق… والقوادات”.
لم تكن عواطف مقتنعة تماما بهذا المصير الظالم الذي رسمه لها القدر، لذلك لم تكن راضية أبدا عن حياتها تلك، رغم أنها استطاعت أن تكسب منها الكثير من المال، صرفت جله على دراسة إخوانها، وعلى مرض والدتها ونفقات البيت اليومية. “كان كل ما أجنيه من الدعارة بالكاد يكفيني لإعالة نفسي وأسرتي. كانت مبالغ محترمة تزيد أو تنقص حسب كرم الزبون. أما الثروة الخيالية والجاه الذي وعدتنا به الجارة فكان مجرد سراب لا غير، لذلك ظللنا نسكن البيت نفسه، في الحي الشعبي نفسه، وسط نظرات الجيران والناس التي لا ترحم، رغم أنها لم تكن تخلو من حسد، بالنظر إلى مستوى المعيشة الذي كان مرتفعا كيفما كان الحال، بالمقارنة مع الجيران”، تقول.
“اعتزال” عواطف سيأتي بشكل رومانسي، كما في الأفلام، لكنه أصبح واقعا بفضل رجولة شخص أحبها وغفر لها وكان مستعدا لبدء صفحة جديدة مع امرأة انتشلها من الدعارة، لتصبح زوجته وأم أبنائه. تحكي “كان سائق الطاكسي الذي يقودني بنفسه إلى تلك السهرات الماجنة. شعرت بارتياح إليه مع مرور الوقت، خاصة أنه كان طيبا ويحترمني رغم كل شيء، ولم يسبق له أن قال كلمة خارجة أو تلفظ بلفظ ناب أمامي. مما جعلني أثق فيه كثيرا. كنت أحكي له عن مغامرات كل ليلة وكان هو يشعر بمرارتي وبمدى سخطي على الوضع. ذات مرة سألني عن الظروف التي أدت بي إلى احتراف الدعارة، فحكيت له كل شيء. ولمدة سنة تقريبا بقينا على هذا الحال، إلى أن فاجأني يوما بطلب الزواج مني. قال لي إنه لا يستطيع أن يوفر لي عيشة كالتي أعيشها، لكنه وعدني بالتكفل بكل مصاريفي ومصاريف عائلتي. كان طلبه بمثابة صدمة لي. وصدمت أكثر حين نقلت الخبر إلى والدتي التي استقبلته بغضب شديد، لأنه كان يعني بالنسبة إليها تنازلا عن مستوى الحياة الرغدة التي كانت تعيشها، في الوقت الذي كانت فيه كرامتي تهدر يوميا من أجل توفير لقمة العيش لها ولأبنائها. السخط نفسه والغضب نفسه عبر عنه إخواني كلهم الذين كانوا مراهقين حينها، ولم يكن يهمهم أن تنعت أختهم بشر النعوت، طالما يستمتعون هم بالمال الذي تغدقه عليهم من عرق الدعارة”.
تزوجت عواطف بحبيبها سائق الطاكسي وطلقت ماضيها بالثلاث. لكنها ما زالت تدفع إلى اليوم ضريبة ولوجها، يوما، عالما لم يكن عالمها، بل الظروف التي ساقتها إليه، والظروف نفسها التي أخرجتها منه. “لم أستطع إلى اليوم الاندماج داخل عائلة زوجي. فعلت الكثير من أجل التقرب منهم لكني مللت من التلميحات وحشيان الهضرة في كل مجلس معهم. المصيبة أنهم يعاملون أبنائي بالمثل رغم أنهم مجرد أطفال أبرياء. أبنائي أنفسهم يسألونني في كل مرة لماذا هذا الجفاء من طرف أعمامهم وجدتهم، فلا أجد جوابا لأسئلتهم. أخشى ما أخشاه أن يكتشفوا الماضي يوما ويكرهونني بسببه. يمكنك أن تنتظر المغفرة من الله  سبحانه لكنها أبدا لن تأتيك من العبد مهما كثرت معاصيه”، تقول عواطف بنبرة يأس.

نورا الفواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى