fbpx
ملف الصباح

النصب على الكبار يتطلب مهارات عالية

الباحث الهروي يرى أن التحولات في البنيات الاجتماعية ولدت ميلا جنونيا إلى الثروة 

بالنسبة إلى الدكتور الهادي الهروي، الباحث في علم الاجتماع، لا يقترف جريمة النصب إلا المهووس مرضيا بالاغتناء، والمتجرد من كل القيم والأخلاق، أما تطور وسائل النصب والاحتيال، فيجد تفسيره، حسب الباحث في علم الاجتماع، في أن التحولات في البنيات الاجتماعية، تكون ملازمة لظهور نظم وأنساق

اجتماعية جديدة، ويعد الأخطر، في استهداف الشخصيات الأكثر أمنا، أن آثار الجريمة أكثر جسامة وخطورة.

 

< ماهي دوافع جريمة النصب وابتكار أساليب جديدة  في اقترافها؟

إن هوس الحصول على الثروة أو الزيادة فيها، وعدم القناعة وطموح الانسلاخ من وضعية الحرمان، وعدم تلبية الحاجات والميولات والرغبات الزائدة، هو الدافع الرئيسي إلى اقتراف جرائم النصب وابتكار طرق جديدة لتنفيذها.

ومع ذلك، لا يرتكب فعل النصب، باعتباره إساءة إلى الآخر وإلحاقا للأذى به خارج الأعراف والقانون، إلا من يتجرد من كل القيم والعواطف والأخلاق. ويفسر، أيضا، الإبداع في طرق النصب، بالتحولات المتواترة في البنيات الاجتماعية، إذ أنه كلما وقع تحول،  يتلازم مع ظواهر وقيم جديدة سلبية أو إيجابية نافعة أو ضارة، وكلما حدثت خلخلة لنظم ومعايير معينة، ينفتح الباب أمام نظم وأنساق، تلغي السابقة ودون إحداث قطيعة نهائية معها. 

 

< ذلك على المستوى النظري، فماذا جرى بالضبط في الحالة المغربية، لتتطور أساليب النصب وتتسع دائرة المشمولين بها، لتضم شخصيات سامية ولها شخصيتها القانونية الاعتبارية؟

إن التطور والنمو الاقتصادي والانفجار الديموغرافي الذي يشهده المغرب وتزايد القدرة الاستهلاكية المتنوعة والميل الجنوني إلى الثروة والرفاه، هي التحولات التي جعلت طرق الاغتناء المباحة والممنوعة، أمرا مشهودا، فيكون النصب والاحتيال وانتحال صفة شخصيات وازنة في الدولة من تجلياتها.

والوقائع والأنباء المتواترة، تبرز لنا، إلى أي حد أصبح الكل معرضا للنصب دون تمييز من طرف النصابين، درجة التطاول على شخصيات من العائلة الحاكمة، وقد تابع الرأي العام،  حدث النصب على عقار والدة الملك من قبل عصابة محترفة من النصابين، صدرت في حقهم أحكام قضائية.

وعندما نعود إلى تبريرات النصابين، أنفسهم، الذين انتحلوا صفة أمراء وإداريين رفيعي المستوى بالأسلاك الملكية، تجد مؤشرات ودلائل جشع وميل هستيري ومرضي إلى الحصول على المال. 

هل يمكن القول إن تلك الحالات، جعلت النصب على الشخصيات السامية، يرتقي إلى مستوى وصفه بالظاهرة الاجتماعية؟

إن النصب والسرقة وما يرتبط بهما من اختلاس وعنف وابتزاز وتهديد، ظواهر اجتماعية تحدث في كل المجتمعات، فقط، تتفاوت نسب حدوثها حسب الثقافة والتنشئة والحقوق والتربية ومدى الالتزام بقيم العدالة والمساواة والديموقراطية في مجتمع مقارنة بآخر.

وفي المغرب، يبدو لي أنه رغم كل شيء، يبقى تعرض الأوساط الأكثر أمنا للاختلاس والنصب، منحصرا في حالات معزولة في الزمان والمكان وكثيرا ما تخضع للضبط والمراقبة، ويقدم الجناة إلى العدالة. 

 

ماهي أبرز آليات النصب على الشخصيات الأكثر أمانا، التي رصدها البحث الاجتماعي؟

وقفنا على نزوع لدى النصابين، بحكم تطور المجتمع ووسائل الاتصال والتواصل، نحو التفنن في ابتداع آليات جديدة منها، يمكن التمييز فيها بين ثلاث مجموعات، الأولى تتمثل في استعمال السيارات الفارهة وتبديل لوحاتها وتثبيت أرقام خاصة عليها وبمواصفات متميزة، أو إلصاق شارات على الواجهة الزجاجية الأمامية للسيارة. 

والمجموعة الثانية، تتجسد، وفقا لما كشفته الأبحاث القضائية، في استعمال المعطيات الشخصية الخاصة بوزراء أو شخصيات بارزة، مثل أرقام الهواتف المحمولة، والانتساب إلى العائلات المخزنية خصوصا من الأسرة الملكية، وانتحال شخصيات وازنة، كشخصية وكيل الملك أوعمداء بالقصر الملكي أو محافظ القصور الملكية.

وتتمثل باقي الآليات، في التوقيعات وإصدار الشيكات بدون رصيد والسمسرة والاتجار في المخدرات وتزوير البطاقات وجوازات السفر والتلاعب بخدمات الائتمان المالية والعقارات والابتزاز والرشوة وغسيل الأموال والتلاعب بالضرائب والطوابع المطاطية الخاصة بالمصالح والوزارات والتصاميم.

 

يستشف أن هذه الآليات، صعبة جدا على الشرائح الدنيا من اللصوص والنصابين، ما يعني أن الهوس الذي تحدثتم عنه في البداية، يصيب فئات قريبة من الأوساط الثرية، فمن الذي يجرؤ  حقيقة، على  ذلك النوع من النصب؟ 

بالفعل، يلاحظ، أن تلك الجرائم تتطلب خبرة ومهارة عاليتين في مجال النصب والفساد، وذكاء وجرأة ومخاطرة وقدرة على المغامرة، وهو الأمر الذي لا تستطيع الشرائح الدنيا من اللصوص والنصابين ممارسته، وعموما، يفترض علم الاجتماع الإجرامي، وجود احتمالين يخصان مرتكبي تلك الجنح وتبريراتها.

الفرضية الأولى، تشير إلى أن الذين يقومون بالنصب أشخاص ميسورون، ويمكن أن يكونوا مديرين ومسؤولين في المؤسسات العامة والمراكز الإدارية، أو أشخاصا ذوي سلطة وقوة ونفوذ اجتماعي، يستغلون مواقعهم وما يتمتعون به من مكانة وحظوة بحكم سلالتهم أو مسؤولياتهم. 

أماالفرضية الثانية، فتشير إلى أشخاص متمرسين على اللصوصية والنصب، ومندمجين في شبكات لها علاقة بالتخطيط ووضع استراتيجيات جديدة في مجال الاختلاس والتحايل والنصب.

ما تقييمكم لآثار جرائم النصب على الشخصيات الاعتبارية، سيما واقعة محاولة الابتزاز الأخيرة للملك، من قبل صحافيين فرنسيين؟

على خلاف جرائم النصب العادية أو الصغرى، ورغم أن جوانب العنف في جرائم النصب على الشخصيات الأكثر أمانا، تكون أكثر خفاء وأقل تجليا مما هي في الجرائم العادية التي تسال فيها الدماء ويتم فيها الاعتداء والاحتجاز، إلا أن آثارها، أكثر جسامة وخطورة، لأنها تمس رموز الدولة وأمنها، بتوظيفها آليات جديدة ومتقدمة وأساليب الإيهام والتحايل.

وفي الواقعة الأخيرة، بدا الصحافيان مجرمين من مستوى عال من العلم والمعرفة، إذ حاولا النصب عن طريق الكتابة والتأليف وبطموح التعامل مع أشهر دور النشر الفرنسية في العالم، ما يجعلهما في النهاية، ضمن أصحاب الجرائم الاحترافية.

باعتباري باحثا اجتماعيا، استغربت كيف سمح الضمير، لإريك لوران، المثقف خريج أكبر الجامعات الأمريكية والاسم البارز في الصحافة الفرنسية، والمتخصص في علوم الإعلام والاتصال، أن يدلي بأفكار مخالفة للحقيقة، وتفتقر لكل مصداقية، ما جعلني أصنف هذا النوع من النصب، في عدة تصنيفات. أولها، التصنيف القانوني، المتعلق بالتصرفات الوصولية التي يعاقب عليها القانون، والتصنيف السياسي، باعتباره سلوكا يمس شخص الملك، والتصنيف الأخلاقي، باعتباره ظلما وابتزازا.

أجرى الحوار: امحمد خيي

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى