ظواهر التحرش والسرقة والابتزاز تكدر المصطافين صار نشاط الشواطئ الخاصة، يتوسع سنة بعد أخرى، ويستقطب فئات جديدة، بعضها، تنشد خدمات تلك الشواطئ، مرغمة لا بطلة، فتضطر إلى إحداث ثقوب في ميزانياتها، بسبب صمود سلوكات منفرة من الشواطئ الشعبية، على شساعتها، عنوانها الكبير: التحرش والابتزاز، وهنا تحصي "الصباح" أشهرها وأكثرها انتشارا. مكري "الباراصول" يعد ممتهن كراء الشمسيات للمصطافين، أكبر مستثمر في الشواطئ الشعبية، وبمجرد أن تطأ قدماك الرمال، يجري نحوك، متحرشا في بعض الأحيان، عارضا بضاعته، ولا ينفك يطالبك بكراء "الباراصول"، ممعنا في إحراجك والضغط عليك من أجل إقناعك بتنفيذ الصفقة. والأمر الذي يضايق أكثر، ويدفع الأسر الحديثة والأطر الشابة نحو توفير المال للتوجه إلى الشواطئ الخاصة، هو أن المستثمرين في كراء المظلات الشمسية، صار بعضهم، ينصبونها بشكل مسبق، ويحجزون بها المساحات الفارغة، ما يفرض على المصطاف التعامل معهم. العائلات التقليدية مست تحولات كثيرة فئات واسعة من المغاربة، وتغيرت سلوكات وأفكار عدد من الشباب والأزواج ذوي المستويات التعليمية والمهنية المتوسطة، ويبقى أكثر ما يضايقهم ويجعلهم يتفادون الشواطئ الشعبية، حلول أسر كبيرة شعبية، بالشواطئ، بكامل أفرادها، محتلين مساحات كبيرة على الشاطئ. والذي، صار يضايق أكثر، هو أن العائلات التقليدية، تحافظ على العادات العتيقة للتخييم، فتحضر معها، مطبخا كاملا، يتكون من قنينة غاز البوتان الصغيرة، وأباريق الشاي، وطنجرة الضغط و"الطاجين" في بعض الأحيان، وكميات لا بأس بها من "الدلاح" و"البطيخ"، فيصير المجال الهوائي القريب منها، مليئا بروائح البهارات، علما أن حضورها إلى الشاطئ لا تتجاوز مدته يوما واحدا. لصوص "الصنادل" لا يخفي عدد من المصطافين، أن من بين ما يقلق راحتهم، في الشواطئ، هو أن صفاءهم الذهني، لا يتحقق كما يجب، إذ يظلون منشغلين بحراسة أغراضهم، وقد يصل الأمر في بعض الأحيان، حد إقرار بعض المصطافين لنوبات للحراسة والسباحة، فيظل الواحد مداوما قرب الأغراض، حتى يتمكن الثاني، من ولوج الساحل لملامسة المياه. ولعل المثير، هو أن اللصوص المتربصين بأغراض المصطافين، لا يترددون في وضع أيديهم، حتى على أحذية صيفية رخيص، تناسى صاحبها وضعها تحت ناظريه، لانشغاله، بحماية حليه وهاتفه من السرقة، ما يلزم على مالك الصندل، العودة، مساء، حافي القدمين، ومعرضا إياها، لمخاطر الإصابة، سيما أن اليوم لا ينتهي بالشواطئ المغربية، حتى تكون رمالها قد اختلطت بنفايات المصطافين، التي قد تتضمن زجاجا. تحرش واستعراض للعضلات قليلات أولئك النساء، اللواتي يحضرن إلى الشواطئ الشعبية، بلباس من قطعتين، ووحدهن الجريئات القادرات على الدفاع عن أنفسهن وصد المتحرشين، يقمن بذلك، وينغمسن في يوم كامل بالمقومات والطقوس على الشاطئ، إذ أن التحرش الجنسي والمضايقة، يظل الهواية الأوسع انتشارا في الصيف. ولا يتردد هواة التحرش، في اللجوء إلى أعمال وسلوكات، تضمن لهم وقوع "رجع الصدى" لدى الضحية المفترضة، من قبيل، تعمد توجيه رميات بالكرة، نحو وجه فتاة تمر من قربهم، فيكون الاعتذار، مقدمة لحدوث التواصل. أكثر من ذلك، يحدث أن ينصب بعض الشباب أنفسهم، معلمي سباحة، فما أن يلمحوا امرأة تسبح، يطوفون حولها، متخذين وضعية سمك قرش يتهيأ للانقضاض على فريسته، آملين أن تغرق، حتى يتمكنوا من الظهور أبطالا. عواصف رملية سميت كذلك، في إشارة إلى ذلك المصطاف، الذي لا يتوانى، من حين إلى آخر، في نفض منشفته التي التصقت حبات الرمل، بين خيوطها، كيفما اتفق، ودون مبالاة بجيرانه، الذين يهب عليهم الرمل المنفوض، عاصفة مفاجئة. وليس نافضو المناشف وحدهم من يستحيل معهم الشاطئ إلى عواصف رملية، بل حتى بعض الأطفال، الذين لا يجدون لعبة يلهون بها، أفضل من خوض حرب وقودها قذائف من الرمل، ويرمقهم مرافقوهم من بعيد، مفتخرين بسرور أطفالهم، رغم أنه يضر بكثيرين. باعة "السموم" على غرار أي فضاء عمومي مغربي آخر، لا يمكن أن لا تجد في الشاطئ باعة جائلين، يقطعون رماله طيلة النهار، جيئة وذهابا، يعرضون على مرتاديه، مواد غذائية ووجبات خفيفة، ينطوي استهلاكها على مخاطر صحية. وتحت أعين السلطات، يكون الشاطئ، سوقا يصرف فيها الباعة الجائلون، سجائر مهربة، ويعرضون على الأطفال، بوظة لا يعرف مصدرها ولا في أي ظروف تم إعدادها، وعلب بسكويت وقناني مشروبات، عليها كتب المصنع، ببنط مقروء يجب أن "تحفظ بعيدا عن أشعة الشمس"، ومع ذلك يتناولها الناس غير آبهين، بأن البائع ظل يطوف بها تحت الشمس. وتنتشر في بعض الشواطئ فئة أخرى من التجار، يضايقون السياح، بإصرارهم على أن يقتنوا منهم ساعات مزورة ونظارات شمسية غير جيدة، أو سلعا من منتوجات الصناعة التقليدية. مدمرو البيئة ما إن يقترب موسم الاصطياف، تسارع مؤسسات كثيرة، ومنذ سنوات، إلى إقامة إشارات في أبواب الشواطئ، توصي المرتادين بالسهر على نظافته، ومع ذلك، لم يشأ كثير من المغاربة، بعد، أن يصير ذلك سلوكا عاديا وبديهيا. وفي هذا الشأن، لا تشعر أسر ارتادت الشاطئ بكامل أفرادها، بأدنى وخز ضمير، وهي تغادره، مساء نحو البيت، وقد تركت على رمال الشاطئ، أكواما من النفايات، وعندما يحل عمال النظافة، يجدون أكياس القمامة، التي وضعوها، بالأمس، في أماكن بارزة، حتى يسهل عليهم المصطافون المهمة، فارغة، لم تقربها سوى قلة من الناس. مخافر "الأخلاق" تعزز صفوف المتحرشين، أقلية أخرى، تتوجه إلى الشواطئ، وهي على علم أنها لن ترى سوى ما سيغيضها ويعكر صفوها، لمخالفته لمبادئها ومعاييرها للحشمة والأخلاق. والمثير في هذه الفئة، أنها لا تغمس أعينها في الرمل، بقدر ما لا تتردد، أحيانا، في النهي عما تراه غير لائق، وتسمح لنفسها، بالمس بخصوصية بعض المصطافين، سيما من النساء، حينما يلاحقون مرتديات ألبسة صيفية بنظرات جارحة وعنيفة ومنذرة، توحي بأنهم يتصيدون الفرصة لـ"تغيير المنكر" باليد أو اللسان. امحمد خيي