ملف الصباح

الخيار الديمقراطي أو البحث عن ديمقراطية بدون ديمقراطيين

كلاوي: الوثيقة الدستورية تتجاوز بنية المجتمع والأحزاب

شكلت دعوة الملك إلى إدماج الخيار الديمقراطي ضمن منظومة الثوابت الوطنية إشارة كبرى لميثاق اجتماعي جديد يجمع المؤسسة الملكية بالمجتمع، مفاده أنه لا تراجع عن الحريات الفردية والجماعية والتمثيلية والمسؤولية كقاعدتين أساسيتين لممارسة السلطة. ويرى الباحث في العلوم السياسية محمد كلاوي أن الخيار الديمقراطي يعني توسيع هامش الحريات والحقوق بمفهومها الكوني كما منصوص في ديباجة الدستور، ويضيف أن إدراج هذا المفهوم في خانة الثوابت تكريس لالتزام الدولة المغربية بهذه الكونية، ماعدا كل ما من شأنه المساس بالطابع الديني للدولة على اعتبار أن الإسلام يشكل ثابتا أساسيا من ثوابت الأمة التي لا ينبغي تجاوزها.
الخيار الديمقراطي يعكس من جهة أخرى تفعيل الإرادة الشعبية من خلال تولي الحزب الفائز في الانتخابات مهام الوزارة الأولى، ويرى كلاوي أن الوزير الأول أصبح بموجب ذلك ملزما بتقديم دفتر تحملات يحاسب عليه من طرف الناخبين ويكرس مسؤوليته أمام مجلس النواب الذي يمنحه الثقة.
كل هذا لن يكتب له النجاح إذا ما استمرت الممارسات السياسية ذاتها، ذلك أن الوثيقة الدستورية ينظر إليها على أنها متقدمة كثيرا على المجتمع وعلى الأحزاب السياسية بشكل خاص، فهذه الأخيرة يضيف كلاوي ملزمة بإحداث ثورة في صفوفها من خلال إعادة ترتيب بيتها الداخلي وتجاوز الصراعات الجانبية التي من شأنها أن تجعلها على هامش النقاش الحقيقي الذي ينبغي أن تنخرط فيه، في ظل هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ المغرب.
من ناحية أخرى، لا يمكن التركيز فقط على ما سيأتي به الإصلاح الدستوري من جديد، بل إن الإصلاحات السياسية والقانونية والمؤسساتية الأخرى هي التي ينبغي أن تأخذ طريقها الصحيح حتى تكون الانتخابات المقبلة تكريسا للخيار الديمقراطي الذي تحدث عنه الملك في خطابه، من خلال التعديلات التي ستشمل مدونة الانتخابات وقانون الأحزاب وغيرها من الآليات التي من شأنها أن تضمن شفافية ونزاهة المحطة الانتخابية كي تشكل مدخلا حقيقيا للديمقراطية المنشودة حتى يعكس مجلس النواب التمثيلية الحقيقية للشعب المغربي، ويكون لتصويت المواطن جدواه في اختيار من يمثله و يتخذ القرارات باسمه.
يبدو النظام السياسي متقدما على الأحزاب، وتنازله عن المزيد من الصلاحيات لفائدة الحكومة والبرلمان من خلال استجابته لمطلب الإصلاح الدستوري العميق، يجعلها في موضع حرج بسبب عدم قدرتها على التفاعل مع السقف الجديد الذي أعلن عنه الملك كخارطة للإصلاحات الكبرى،  فالأحزاب السياسية ماتزال مفتقدة للقدرة على المبادرة، كما أن انتظاريتها القاتلة تبدو من خلال طبيعة النخب السياسية التي تقودها وهي نخب تؤمن بمنطق التوافقات خارج صناديق الاقتراع، ما يجعلها غير قادرة على القبول باللعبة الديمقراطية، فبالأحرى أن تطالب النظام بذلك، كما أن لها مصالح تسعى إلى الحفاظ عليها ما جعل الهوة السحيقة التي تفصلها عن الشباب تزاد عمقا، وهو ما يفسر ، حسب كلاوي، عزوف  الأجيال الجديدة عن الأحزاب والانتخابات.
الإصلاح الدستوري وفق هذا المنظور قد يفي بالغرض ويحسم في المسألة الدستورية من خلال توازن السلط وتكريس مبدأ فصلها ومسؤولية الحكومة أمام البرلمان واضطلاع الوزير الأول بمهام السلطة التنفيذية كاملة وغيرها من التعديلات التي ستكشف عنها اللجنة الاستشارية التي أنيط بها هذا الملف، إلا أن ذلك لن يؤتي أكله دون تمتع الأحزاب باستقلالية حقيقية في اتخاذ القرار والقدرة على المبادرة وضمان تداول النخب على مستوى أجهزتها المسيرة وانفتاحها على محيطها واضطلاعها بدورها التعبوي، وخروجها من ظل التوافقات إلى مرحلة القبول بقواعد الديمقراطية، فلا ديمقراطية بدون ديمقراطيين.

رشيد باحة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق