ملف الصباح

الإدارة العمومية… مسمار صدئ في حذاء المغرب

الإدارة العمومية، في نظر عدد كبير من المواطنين، امرأة شمطاء ترتدي ملابس رثة ومتسخة، تقضي سواد يومها في تسلم الرشاوي وممارسة الدجل والكذب وتعطيل المصالح الناس وصنع متاهات من بيروقراطية مقيتة لعرقلتهم في الطريق.
الإدارة العمومية آفة، ومسمار في حذاء في المغرب وعصا في عجلة المسلسل الديمقراطي والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي قد تنعكس على المعيش اليومي للمواطنين، في الوقت الذي كان من المفروض، بالنظر إلى عدد مشاريع إصلاح الإدارة منذ الستينيات، أن تشكل قاطرة هذا الذي يسميه المغرب «انتقالا ديمقراطيا» ودعامة له. وقد ساهم هذا الواقع في تشكل فئة من المستفيدين ولوبيات الفساد الإداري الذين يجدون لذة غريبة في مقاومة الإصلاح، وبالتالي مقاومة كل ما من شأنه المساس بمصالحهم ومكتسباتهم التي راكموها خلال أربعين ســـــــــنة.
خلال هذه السنوات، لم تخل التصريحات الحكومية المقدمة من طرف الوزراء الأولين أمام البرلمان، من نية وعزم لإصلاح الإدارة العمومية، بدءا بتصريح امحمد باحنيني بتاريخ 11 يناير 1964، ووصولا إلى التصريح الثاني لعبد الرحمان اليوسفي يوم 13 يناير 2000، لكن في كل مرة تأبى دار لقمان إلا أن تظل على حالها ويتجرع المواطنون وحدهم مرارة خيبة يدفعون ضرائبها يوميا من جيوبهم وصحتهم وراحتهم النفسية.
بموازاة ذلك، ظلت البرامج الحزبية في كل مناسبة انتخابية تبشر بإصلاح إداري ضروري وحاسم يقطع مع أشكال الزبونية والمحسوبية ووضع حد للامتيازات والمحاباة والرشاوي الكبيرة والصغيرة، وتخليق الحياة الإدارية وإشاعة أخلاق التنافس النزيه والشفافية في الصفقات والمناقصات العمومية.
لكن، فجأة، حين يتحول البرنامج الانتخابي إلى برنامج حكومي تصبح هذه المطالب مثل شعارات بليدة، بعد أن يكتشف الوزراء أن الإدارة تحكمها “ضروس صحاح” لا أحد يجرؤ على الاقتراب منها، والأحرى اقتلاعها من مكانها.
خلال ذلك، كان لا بد أن تتدخل المؤسسات الدولية المانحة لتنبيه المغرب إلى السمنة المفرطة التي تعانيها الإدارة المغربية والمطالبة بتخسيسها أكثر والحد من تعرجفها مع اقتراح عدد من الإجراءات بعضها عرف طريقه إلى التنفيذ لكن دون نتائج في المستوى، مثل برنامج المغادرة الطوعية الذي هرب الأطر الكفأة وترك “خوشبيش” يحتلون المواقع الإدارية الأساسية.
الخلاصة، الجميع في المغرب يستطيع تشخيص الداء، لكن لا أحد يجرؤ على تقديم الدواء المناسب، لأن الأمر يتعلق بمعضلة سياسية ينبغي حلها بشيء من الحزم الدستوري، وهي مهمة موكولة إلى اللجنة الخاصة برئاسة عبد اللطيف المنوني، لكن لا بأس أن نعود إلى بعض الإجراءات الجريئة التي روج لها عبد الرحمان اليوسفي، الوزير الأول الأسبق، وقتلت في المهد، بل فرض على صاحبها أن يجمع حقيبته ويرحل إلى غير رجعة بعد الانقلاب على المنهجية الديمقراطية سنة 2002، وتعيين التيقنوقراطي إدريس جطو مكانه.
ومن هذه الإجراءات ضرورة ترسيخ قيم الاستحقاق والشفافية في تحمل مناصب المسؤولية، وذلك بإخضاعها لمعايير الكفاءة والاستحقاق والمروءة فوق كل اعتبارات أخرى. كما قدم اليوسفي مسطرة دعا الوزراء إلى اتباعها في مجالات التعيين وهي الإعلان عن شغور مناصب المسؤولية بمختلف القطاعات الإدارية، وفتح لائحة الترشيحات في وجه كل من تتوفر فيه الشروط التي تؤهله ليتقلد تلك المسؤولية. كما دعا إلى ضرورة إخضاع الترشيحات الأخرى التي يتم التعيين فيها بموجب ظهائر مولوية شريفة إلى دراسة دقيقة تخضع للمعايير نفسها، قبل عرضها على الوزير الأول ليرفعها إلى جلالة الملك، دون الحديث عن الإجراءات الأخرى التي تهدف إلى تخليق الحياة الإدارية ومحاربة الرشوة والمحسوبية وجعل المواطنين يحسون بكرامتهم ومواطنتهم أمام أبواب الإدارات، وليس العكس.

ي. س

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق