fbpx
بانوراما

في رحاب سيد القمني10

العلم لم يتراجع يوما خطوة إلى الوراء

اقتحم بكتاباته مناطق الألغام في التاريخ الاجتماعي والفكري للإسلام، وتلك المناطق لا تصير كذلك إلا إذا تمنطق المقتحم إليها بأدوات تحليل جديدة، تتيح له التخلص من الأحكام المسبقة وتجعله ينظر إلى الأمور بتجرد يرفع غشاوة ألقيت على الأبصار والعقول طيلة قرون. إنه المفكر المصري سيد محمود القمني الذي وجد نفسه بمجرد ما فكر يوما في التصدي للأطروحة الأصولية في التعاطي مع التراث، متهما في أكثر من مناسبة في إيمانه وعقيدته، بل وصل الأمر إلى إهدار دمه وتهديده بالقتل في أكثر من مناسبة، ليتضح أن قتلة فرج فودة لم يكونوا يتوانون على الولغ في دمه إن أتيحت لهم الفرصة. صاحب كتاب “الحزب الهاشمي” و”حروب دولة الرسول” و”رب الزمان” و”النبي إبراهيم والتاريخ المجهول” وغيرها من الكتب العديدة التي أظهر فيها الكاتب المصري حسا أكاديميا وسجاليا على الخوض بجرأة في المناطق المحظورة.
وفي هذا السياق كان ل”الصباح” فرصة اللقاء به خلال زيارته الأخيرة للمغرب، قبل أسابيع، وخصها بحوار مطول ناقش فيه محطات من مساره الفكري ووجهة نظره في عدد من القضايا المتصلة بالفكر الإسلامي والواقع السياسي والاجتماعي في العالم العربي، ننشره عبر حلقات.
أجرى الحوار: عزيز المجدوب

< كنت تنبأت في أحد حواراتك السابقة بأن العلم والعلمانية سينتصران في النهاية، لكن بعد ما سمي “الربيع العربي” والانتكاسة التي منيت بها الانتفاضات والثورات التي أدت إلى تنامي التيارات الأصولية وبلوغها السلطة في العديد من الدول العربية، أما زلت تؤمن بجدوى نبوءتك وهل ما زلت تعتقد أنها قابلة التحقق؟
< لا لم يروادني الشك أبدا، لماذا؟، فلا أحد كان بإمكانه أن يقول أنا علماني، فحتى الراحل فرج فودة، قالها مرة واحدة في أحد كتبه ولم يقلها بعد ذلك، لأن هذه الكلمة كانت توصم بالكفر وتربط أيضا بالماركسية، وكأن كارل ماركس بحث في الاقتصاد والتاريخ والمجتمع وألف كتاب «رأس المال” ليحارب الإسلام، أو أن داروين أفنى عمره في البحث في الطبيعة والكائنات الحية لكي يهد الإسلام، أو ان سيغموند فرويد جاء ليحرضنا على الجنس، «ده احنا أساتذة الجنس” فلا شيء لدينا غير الجنس، ولو تصارعنا من أجله فلن يفوز علينا أحد فيه، ومشايخنا ما شاء الله عليهم لا يقصرون في هذا الجانب.
العلمانية ترتبط بالعلم التجريبي على وجه التحديد، وبالمنهج العلمي في التفكير حتى ولو طبق على العلوم الإنسانية، فتدرس التاريخ كما لو تدخل المختبر الفيزيائي كما تدرس النفس كما أنك تعرض المعدن إلى الحرارة فيتمدد، وتطبق هذه القواعد على كافة مناحي الحياة، وهذا ما هيأ الشعوب لفكرة اللبرلة والحريات بعد الكشوف العلمية وعصر النهضة الأوربي استلزم معه تغيير الأنظمة الاجتماعية، فالعلم غيّر المجتمع وغيّر الأنظمة السياسية وطرائق الحياة في المجتمع وانتصر، ولم يتراجع العلم يوما خطوة إلى الوراء، لكن في المقابل كل الأديان تراجعت إلى الخلف أمام العلم، خاصة الكنيسة الكاثوليكية المتعصبة أو الإنجيلية، أصبحوا اليوم يقدمون الاعتذارات للعلماء الذين اضطهدوا، وتراجعوا عن كل ما كانوا يقولون عن الأرض والطبيعة منذ قرون.
والعلمانية لا تعادي الدين، لكي نكون واضحين بخصوص هذه المسألة، فهي غير مشغولة بالمسألة الدينية أصلا، فهي مشغولة بسعادة الإنسان وراحته وكرامته وحريته، بدليل أنها تسخر العلم لضمان وسائل الرفاه والسعادة والتقدم، فالعلم هو الذي قضى على الأوبئة التي كانت تحصد البشر بالملايين واللقاحات، هات لي نبيا اكتشف لقاحا واحدا، الإيمان دعه في القلب لا تدخله إلى هذه المنطقة، قد تقول لي إن يسوع المسيح يداوي الأكمه والأبرص وغيرهم، فماذا استفدنا نحن من كل هذا، هل بنى مستشفى واحدا أو علم الناس الطب. لم يحصل هذا أبدا، فالعلم وحده من يسعى إلى سعادة البشر وخدمتهم وهو المرتبط بالعلمانية، التي أعرّفها (بفتح العين أو كسرها) أي الأمر الذي يهتم بعالمنا الذي نعيش فيه انطلاقا من فكرة هامة جدا، وهي أن العالم الذي لا نراه أو الغائب عنا أي العالم الديني لا نستطيع أن نذهب إليه أو نتيقن منه أو نبحث فيه هو كلام ليس عليه دليل، أي أن نهتم بالعالم وبأدواته أي العلم، فالدين مجال للاختلاف وأن أي شخص يقول الكلام الذي يراه مناسبا دون أي دليل فالمسيحي يقول كلاما واليهودي يقول آخر والمسلم يرى شيئا آخر ووسط كل دين مذاهب مختلفة، فهذه مسائل قلبية وضميرية، على الدين أن يسكن القلوب والمعابد، ولا يخرج إلى المشترك الاجتماعي العام، ولا تسيطر ثقافة على ثقافة أخرى.
فمثلا مصر، وأنا أتحدث عن النموذج الذي أعرف، تسودها ثقافة واحدة هي الثقافة العربية الإسلامية، علما أنه في الأصل من المفروض أن تسودها ثلاث ثقافات هي الحضارة الفرعونية القديمة، والعصر القبطي الذي ساد أكثر من 600 سنة، ثم العصر العربي الإسلامي، والوطنية هي أن أتعامل مع هذه الثقافات والمكونات الثلاثة، لا أن اطيح بها لمجرد أنها كانت وثنية أو كافرة لكي أسيّد ثقافة غازية مستوطنة قادمة من الوهابيين بالحجاز، لا تأخذ بعين الاعتبار باقي المكونات.
فالوطن هو أن يكون عليه مواطنون مختلفون متساوون في الحقوق، لا بد أن نفرق الحقوق بيننا في الدنيا، فارتباط العلمانية بالعلم يعني انتصارها الحتمي، فالعلم لم يقدم تراجعا واحدا لحد الآن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق