fbpx
بانوراما

في رحاب سيد القمني9

الأصل الفرعوني  لفكرة الحياة بعد الموت

اقتحم بكتاباته مناطق الألغام في التاريخ الاجتماعي والفكري للإسلام، وتلك المناطق لا تصير كذلك إلا إذا تمنطق المقتحم إليها بأدوات تحليل جديدة، تتيح له التخلص من الأحكام المسبقة وتجعله ينظر إلى الأمور بتجرد يرفع غشاوة ألقيت على الأبصار والعقول طيلة قرون. إنه المفكر المصري سيد محمود القمني الذي وجد نفسه بمجرد ما فكر يوما في التصدي للأطروحة الأصولية في التعاطي مع التراث، متهما في أكثر من مناسبة في إيمانه وعقيدته، بل وصل الأمر إلى إهدار دمه وتهديده بالقتل في أكثر من مناسبة، ليتضح أن قتلة فرج فودة لم يكونوا يتوانون على الولغ في دمه إن أتيحت لهم الفرصة. صاحب كتاب “الحزب الهاشمي” و”حروب دولة الرسول” و”رب الزمان” و”النبي إبراهيم والتاريخ المجهول” وغيرها من الكتب العديدة التي أظهر فيها الكاتب المصري حسا أكاديميا وسجاليا على الخوض بجرأة في المناطق المحظورة.
وفي هذا السياق كان ل”الصباح” فرصة اللقاء به خلال زيارته الأخيرة للمغرب، قبل أسابيع، وخصها بحوار مطول ناقش فيه محطات من مساره الفكري ووجهة نظره في عدد من القضايا المتصلة بالفكر الإسلامي والواقع السياسي والاجتماعي في العالم العربي، ننشره عبر حلقات.
أجرى الحوار: عزيز المجدوب

< من النتائج المثيرة كذلك التي توصلت إليها في أبحاثك خاصة كتابك “رب الثورة.. أوزيريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة” أن فكرة ما بعد الموت التي ظهرت في الديانات التوحيدية، خاصة الإسلام، لها جذور فرعونية؟
< أول من افترض وجود عالم ميتافيزيقي له مكونات تعيش فيها كائنات، هم المصريون القدماء، وأخذت الفكرة المصرية خطوات تطورية، مع إضافات كثيرة من شعوب المنطقة، شرحتها تفصيلاً في كتابي “رب الثورة.. أوزيريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة”. وتطورت الفكرة في مصر من عالم تسكنه أرواح الموتى إلى عالم تسكنه الآلهة أيضاً، وإلى هناك يسافر الموتى ليتم حسابهم أمام موازين عدل الإله أوزيريس عما قدموه من أعمال في الدنيا، وأن الموت يحدث عندما تغادر (البا / الروح) الجسد، وأن الروح ستعود من عالمها الميتافيزيقي إلى عالمنا الفيزيقي لتدخل إلى جسدها الميت، فيبعث من جديد في اليوم الأخير قبل فناء عالمنا المحسوس، لذلك وجب تحنيط جسد الميت حتى يمكن للروح عند عودتها أن تتعرف عليه، ومن ثم تم استنتاج أن سبب حياة الإنسان جسم أثيري لا مادي هو في المصرية القديمة باسم (البا) وهو ما تعنيه كلمة الروح في المفاهيم الدينية، فدخول الروح في الجسم المادي يعطيه الحياة، وأن الموت هو عملية خروج الروح من الجسد الذي سبق أن دخلته.
 في هذا الكتاب نكتشف أن المصري القديم، لديه مجموعة من بواكير الأفكار الكبرى والكشوف التاريخية التي تضعه دائماً رصيدا مرجعيا لأي بحوث علمية في شتى المبادين حتى اليوم. وضمن تلك الأفكار الكبرى التي هدفت لتنظيم العلاقات داخل المجتمع الإنساني، وفق قواعد أخلاقية إنسانية تليق بمستوى التقدم والتحضر، فكرته عن عالم آخر في ما بعد الموت، يقوم إليه الموتى حتى يحاسبون وفق القوانين الأخلاقية، عما قدمت أيديهم في حياتهم الدنيا. لكن هذه الفكرة التي أصبحت معتقداً أساسياً من بعد في الديانات الكبرى، مرت بمراحل تطورية حتى اكتمل نضوجها مع الثورة الشعبية الكبرى التي قام بها المصريون في نهاية الدولة القديمة، والتي وجدت مرجعها الإيديولوجي في عقيدة جديدة نظمها وأحكم صياغتها وحقق فيها مطالب الجماهير، حكماء تلك الثورة، ومعها ومعهم بزغت عقيدة الإله الفادئ الذي قتله الأشرار ومات، وقام من بعد موته بأيام ثلاثة في عيد للقيامة مجيد، ليحمل عن البشر خطاياهم ويمنح من يؤمن به الخلود في جناته، لكت بعد أن يتم حسابه أمام موازين عدل رب الثورة (أوزيريس). وهذه الرحلة التطورية هي ما يحاول هذا الكتاب الكشف عنه من مبتدأها الأول حتى اكتمال نضوجها، ذلك النضوج الذي أهلها لوضع الأسس المتكاملة لكبرى الديانات الفدائية التي تسود معظم المعمورة الآن… ومنها المسيحية، أي أننا بصدد فكرة فرعونية ملخصة في الأناجيل، ولاشيء يرد في الأديان يأتي هكذا من فراغ فليس عيبا أن يتأثر الدين بما يحيطه لكي ينجح، أي أن يأتي بما يعرفه أهل زمانه وناسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى