fbpx
حوادث

القضاة الذين نتخوف منهم سيراقبون الانتخابات

الخضراوي رئيس المرصد القضائي قال إن هناك اختزالا غير مبرر للسلطة القضائية وابتعادا عن دورها في التسيير والإشراف

أجرت الحوار: كريمة مصلي

أكد محمد الخضراوي، رئيس المرصد القضائي المغربي للحقوق والحريات، أنه لا يمكن بعد المسار الطويل من الإصلاحات أن يتم القبول بنصوص أجهضت كل آمال القضاة في تكريس مفهوم جديد لقضاء مواطن مسؤول، وأضاف في حوار مع «الصباح»، أنه يلاحظ  من خلال ما تضمنته تلك القوانين أن هناك تراجعا قويا في حق القضاة في التعبير وتأسيس جمعيات مهنية والانخراط في جمعيات المجتمع المدني، التي كرسها دستور 2011.  كيف تنظرون إلى النقاش الجاري الآن حول مشاريع القوانين التنظيمية المعروضة على البرلمان بين المناقشة والمصادقة؟
 لابد من التأكيد على أن مناقشة هذه القوانين على وجه الخصوص وإبداء وجهات النظر فيها يجب أن يبتعدا عن أي منطق سياسوي أو انتماء فئوي، إنها قوانين بكل بساطة سترهن مستقبل العدالة وتوازنات السلط الدستورية لأجيال طويلة، فالأمر أكبر من نقاش أغلبية ومعارضة واحتساب عدد الأصوات، إننا أمام قوانين يجب أن ينجح فيها الجميع والفائز الوحيد سيكون هو الوطن. والحقيقة هنا لابد أن نسجل بكل إيجابية تفاعل عدد من ممثلي الأمة وانفتاحهم على الجمعيات الحقوقية والمهنية التي قدمت مذكراتها وملاحظاتها في الموضوع قصد تجويد هذه النصوص من أجل ولادة سلطة قضائية حقيقية فاعلة ضامنة للحقوق، أيضا هذا المولود يجب أن يستهل حيا طبيعيا وبصحة جيدة، إذ لا يمكن بعد كل هذا المسار الطويل من الإصلاحات أن نقبل بنصوص أجهضت كل آمالنا في تكريس مفهوم جديد لقضاء مواطن مسؤول.
كما أعتقد أنه ولهذه الأسباب واعتبارا للموقف الموحد للقضاة والحقوقيين، قرر البرلمان إرجاع هذه النصوص للجنة العدل والتشريع قصد تعميق النقاش وهو في نظري قرار وطني مسؤول يستحق التنويه.
 باعتباركم فاعلين في المجال الجمعوي والحقوقي ما هي أهم ملاحظاتكم العامة على هذه المشاريع؟
 أولا نسجل غياب تنزيل حقيقي لمضامين الخطب الملكية السامية ولمقتضيات دستور يوليوز 2011، حيث إن كل متتبع للخطب الملكية السامية ذات الارتباط بموضوع العدالة سيقف بوضوح على أن  جلالته يقرن دائما «القضاء» بوصف «السلطة» ويعتبرها جزءا من سلطة الدولة ويؤكد على وجوب ضمان استقلالها بشكل تام وواضح عن باقي السلط الأخرى وإبعاد أفرادها عن كل التأثيرات والتهديدات أيا كان مصدرها ويشدد على ضرورة توفر كل الإمكانات البشرية واللوجستيكية لأداء رسالتها والوفاء بالتزاماتها.
هذه التوجهات الملكية الأساسية عبرت عنها صراحة مقتضيات دستور 2011 سواء في مادته الأولى أو في مواد الباب السابع منه.
لكن لم يعكسها أبدا مشروع القانون التنظيمي المعروض الآن للمناقشة رغم إبدائنا هذه الملاحظة كتابة وشفاهة – في العديد من المناسبات والمحطات –، حيث اكتفى هذا المشروع بتناول مؤسسة «المجلس الأعلى للسلطة القضائية» دون أن يوضح ويحدد ماهية «السلطة القضائية» نفسها ومكوناتها، ودون أن يشير صراحة وبوضوح إلى أن «مسؤولية تسيير شؤون القضاء ومهمة التطبيق العادل للقانون هي محصورة على السلطة القضائية التي تمارس من قبل القضاة الذين يزاولون فعليا مهامهم بإحدى محاكم المملكة».
فأصبحنا أمام اختزال غير مبرر للسلطة القضائية في مجرد مجلس أعلى حصرت اختصاصاته في تحقيق الضمانات المهنية للقضاة بدلا من إيجاد سلطة لها دور التسيير والإشراف على شؤون القضاء والقضاة.
 كيف ترون مستقبل ممارسة العمل الجمعوي للقضاة على ضوء هذه المشاريع؟
 الأكيد أن هناك احتقانا عاما داخل الأسرة القضائية بسبب التراجعات غير المبررة وغير المفهومة عن مكتسبات دستورية مستندة على المواثيق والإعلانات والاتفاقيات الدولية المصادق عليها من طرف المغرب والتي تؤكد على حق القضاة في التعبير وتأسيس جمعيات مهنية والانخراط في جمعيات المجتمع المدني على أساس أن القضاء أولا شأن عام وعلى اعتبار أن الانفتاح والشفافية على المجتمع هما قوام الحكامة التي تكرس الثقة وتعززها.
لكن للأسف لاحظنا التفافا غريبا على هذا المتنفس الدستوري الذي صادق عليه المغاربة يوم فاتح يوليوز 2011 ، من خلال وضع العديد من القيود التي سيكون مآلها بكل تأكيد الإلغاء  لعدم دستوريتها.
إن القيد الوحيد الواجب هو الأخلاقيات القضائية وواجب التحفظ والذي لا يمكن إبداء أن يتحول إلى التزام بالصمت.
أما دون هذا القيد فإن كل ما تم تضمينه من عقبات في وجه حرية التعبير يبقى انعكاسا لحالة تخوف غير مبرر من العمل الجمعوي للقضاة الذي أبان عن عدد كبير من الإيجابيات طيلة مسار سنوات من تاريخ البلاد.
 ما هي في رأيكم الأسباب التي دفعت العديد من الجهات إلى التخوف من منح هذه السلطة للقضاة أليس صحيحا أننا سنكون أمام تغول للقضاة؟ وهل قضاؤنا مؤهل لتحمل هذه المسؤولية الكبيرة؟
 أولا لابد من التذكير أننا نكرس لدولة قانون ومؤسسات ومسؤولية ومحاسبة وأنه لا يمكن أبدا تصور في مغرب ما بعد دستور 2011 أن تتغول أي سلطة كيفما كان نوعها، لدينا سلطة إعلام ومجتمع مدني وحقوقي يطور آليات رقابته بشكل مستمر، ولدينا آليات قانونية وقضائية متعددة تخول ممارسة الرقابة على العمل القضائي ومن ثمة لا مجال لطرح هذه التخوفات.
أرجو أن لا يغفل المتتبعون أن القضاة المغاربة يتحملون يوميا عناء كبيرا وفي ظروف عمل غير ملائمة من أجل البت في ملايين القضايا سنويا، بكل تفان وتضحية، قضاة أثبتوا كفاءتهم في عدة محافل دولية وتطلب عدة دول وهيآت دولية في كل مدة الاستفادة من خبرتهم وتجربتهم.
ثم لا يجب أن ننسى بأن القضاة الذين نتخوف منهم اليوم هم أنفسهم من يطالبون الآن بمراقبة الانتخابات والسهر على ضمان سريانها في إطار قانوني سليم.
وهم أنفسهم المطالبون من خلال أحكامهم بضمان الاستثمار الوطني والدولي وضمان الأمن الأسري والعقاري والبيئي و…
إذن لا يمكن أن نكيل بمكيالين نثق فيهم في عدة مستويات ونخشى من عدم كفاءتهم أو تفوقهم في مستوى آخر.
لا ننسى أيضا أن أهم المسؤولين على تسيير مديريات وزارة العدل هم من كبار قضاة المملكة المشهود لهم بالكفاءة والتجربة والنزاهة.

استمرارية تحكم السلطة التنفيذية
 
تم وضع مواد غير ملائمة وغير عملية مطلقا ولا تحقق ضمانات الشفافية والنجاعة والمصداقية لعمل هذه المؤسسة الدستورية مثل تلك المتعلقة بتعيين المسؤولين القضائيين (المادة 70) أو بالمساطر التأديبية سواء في ما يخص عرض القاضي المقرر لتقريره بحضور المتابع أو آجال البت في الملفات التأديبية.
والملاحظ  استمرارية تحكم السلطة التنفيذية في أهم مرتكزين لاستقلال أي سلطة كيفما كانت وهما: الموارد البشرية والموارد اللوجستيكية إذ أن مشروعي القانونين التنظيميين جعلا موظفي كتابة الضبط، وهم المحرك الأساسي للعمل داخل المحاكم والعنصر المحوري لحسن سير العدالة وإنتاجها، تحت إشراف مسير إداري تابع لوزارة العدل ولا يستطيع المسؤول القضائي ممارسة أي سلطة قانونية واضحة عليه أو على الموظفين التابعين له، فالمسؤول قضائي والقضاة إذا احتاجوا في عملهم اليومي لأبسط الأشياء اللوجستيكية لا بد أن يطلبوها من وزارة العدل التي تتحكم في ميزانية المحاكم وفي الوضعية المادية للقضاة أنفسهم، أمام غياب لأي دور حقيقي «لسلطة قضائية».
فكيف سيستقيم عمليا ومنطقيا الحديث عن الاستقلال وعن المبادرة الإيجابية وعن المسؤولية والمحاسبة وعن الجودة والنجاعة والآجال المعقولة والولوج للعدالة، في ظل استمرارية تحكم السلطة التنفيذية في هذين العنصرين الحاسمين.
كما أن الصياغة الأخيرة لعدة مقتضيات (المادة 51 وما يليها على سبيل المثال) عرفت تراجعا كبيرا عن ما تم تضمينه في ميثاق الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة، كما تخالف التوصيات الدولية والإقليمية التي تجمع على ضرورة الفصل التام بين السلط وتؤكد على أن المخصصات المالية المتعلقة بالمحاكم يجب أن تحدد بشكل يبتعد عن المساس بأي شكل من الأشكال باستقلال القضاء والقضاة. (توصيات لجنة Venise سنة 2010 وتوصيات المجلس الاستشاري للقضاة الأوربيين عدد 10 وتوصيات إعلان بيروت 1999 الخاص بالدول العربية).

غياب الهيكلة الدقيقة

 نلاحظ غياب هيكلة دقيقة وتنظيم محكم لعمل المجلس الأعلى للسلطة القضائية حيث يتضمن المشروع مجموعة من المواد تمت صياغتها بطريقة من شأنها التأثير على حسن سير أعمال المجلس وتحتمل عدة تأويلات (المواد 14، 16 و19 على سبيل المثال)، كما تم تغييب مؤسسة الكتابة العامة التي تبقى ضرورية لفسح المجال لأمين المجلس للتفرغ لتدبير ملفات الوضعية المهنية للقضاة، وإسناد مهمة تسيير المصالح الإدارية والمالية للكتابة العامة التي لا يمكن إلا أن تشكل قيمة مضافة للتنظيم الهيكلي للمجلس، تدعم المسؤوليات المتعددة والمنوطة بأمانة المجلس وتوفر آليات التدبير الإداري الكفيلة بضمان استقلال حقيقي للسلطة القضائية وعلى رأسها التدبير الإداري والمالي لوضعيات القضاة.

في سطور
 رئيس المرصد القضائي للحقوق والحريات
 نائب رئيس الودادية الحسنية للقضاة
 دكتور في الحقوق
 أستاذ زائر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى