بقلم: ذ. صلاح الدين شنقيط (*) تَسللت الشعبوية منذ زمن إلى خطاب جزء من طبقتنا السياسية، وتلقفها جزء غير يسير من المنتقدين أو المعلقين على الأحداث، دون أي اهتمام بوخيم نتائجها. الكل يبحث عن "العائد" المتأتى من توظيف "منافع" هذا الخطاب، من خلال البحث عن الشرعية، وعن القبول الجماهيري أو فقط عما تدره بعض التطبيقات من مال، أو ممارسة "حرب بالوكالة". لكن أبدا لا يطرح تأثير مثل هذه الممارسات على تهديم الوعي، والرهان على المشاعر دون التحليل، وتسطيح الفكر ودفعه إلى تقديم ردود فعل قد تصل إلى "القتل المعنوي"... يريد "الشعبوي" أن تخلو له الساحة، أن يأسر الفكر، أن تنقاد له الجماهير، وبالتالي الوصاية على المجتمع. وإذا زاوج معه "التشهير"، ونشر الأراجيف، فإن المهمة ستكون مكتملة الأركان. نعيش منذ مدة، تحت نيران هذا الخطاب، وسطوته، ما بين توظيف ماكر للدين، وحرص زائف على الوطنية، وَذَوْدٍ مغشوش عن هويتها وثوابتها، وتشهير بالأشخاص والأعراض تحت مسمى "التحقيق الصحفي" و"السبق الصحفي". كان هذا نهج بعض "الفاشلين" الذين يقصفون رموز بلدهم من الخارج، وأصبح اليوم نهجا من الداخل، بأجندة واضحة، نشر العدمية والتيئيس، وخلق مقدمات للفوضى عبر التحريض، ونزع "الطهرانية" المتبقية لثلة من رجال السياسة والمدبرين ممن يحظون باحترام وتقدير كبيرين. أصبحت كل تمثلات "الحياة الشخصية" معروضة على صفحات لم نعد نعرف على من نحسبها: وثائق شخصية، معاملات تجارية، عقود من كل نوع... لتأتي "الشعبوية" لتركب على موجة التحليل، فتحاكم وتبرئ، وتفرق صكوك العفة أو أحكام الإدانة دون أي رادع، أصحاب الحسابات الكبيرة، يعملون على توظيف هؤلاء لقطع الطريق على فلانة أو فلان، لخلق توتر حوله، لإجباره على الانسحاب، أو الدعوة إلى التفكير في بديل عنه. لا تتوقف هذه الآلة الجهنمية حتى تصل إلى مبتغاها، موظفة "الذباب" ومختلف الحشرات القادرة على نقل "القذارة" إلى كل الشرائح والفئات، مع تفنن في أشكال التواصل، وفي الإخراج حتى يكون للكلام كما للصورة وقعها الكبير. هذا يؤثر على "الضحايا"، على عوائلهم، على عملهم، وعلى استمرارهم في الالتزامات المواطنة التي انخرطوا فيها. تحالف الشعبوي والمشهّر، هو تحالف موضوعي، فالشعبوي له هدف، يضعه أمامه لدحر خصومه، ودفعهم إلى التواري، والمُشهر يقدم له "وقود الحرب"، ويهيئ له المجال، عبر دفع الناس إلى بيوتهم وإلى الانتساب إلى "حزب الكنبة"، وإخلاء الساحة العمومية من صوت المشاريع الديمقراطية، ومن الفكر الحر، ومن الاحتكام إلى القانون. ويزداد هذا التحالف ووشائجه كلما كانت البلاد على موعد هام، حاسم، ومؤثر... إننا نَعي ما يجري، ونفهم ما يُحاك، وندرك لما السهام توجه إلى وجهتها المعلومة، مع الأسف، في إطار حملة ممنهجة، تستعمل فيها كل الوسائل الخبيثة، قد يكون اللجوء إلى القضاء حلا لوقف هذا "التحرش"، لكن يجب أن نفكر في حلول أكثر استدامة قادرة على اجتثاث هذه النبتة السامة التي ستأتي على كل شيء، وأكيد حتى على مستخدميها والمستفيدين المرحليين منها. (*) نائب برلماني