حوادث قاتلة تثير الجدل حول السلامة والمسؤولية ومطالب بالتقنين والتأمين تحولت الدراجات الكهربائية "التروتينيت"، في ظرف وجيز، من وسيلة تنقل عصرية وصديقة للبيئة إلى مصدر قلق متنام في عدد من المدن المغربية، بعدما ارتبط انتشارها المتسارع بتزايد حوادث سير مميتة وإصابات بالغة طالت عشرات من الراشدين والقاصرين على حد سواء، وهو ما أفرز فوضى مرورية وأثار نقاشا واسعا حول إشكالات السلامة الطرقية والمسؤولية القانونية وسبل حماية مستعملي الطريق، في ظل غياب إطار قانوني واضح ينظم شروط استخدام هذه الوسيلة ويحدد حقوق وواجبات مستعمليها. إعداد: المختار الرمشي (طنجة) لم تعد الدراجات الكهربائية "التروتينيت" مشهدا عابرا داخل شوارع المدن المغربية الكبرى، بعدما انتقلت، خلال السنوات الأخيرة، من وسيلة تنقل خفيفة يقبل عليها الشباب والطلبة وبعض المستخدمين للتخفيف من مصاريف التنقل وتفادي الازدحام، إلى عنصر جديد داخل منظومة السير والجولان، ما أثار أسئلة مقلقة حول شروط الاستعمال وحدود السلامة والمسؤولية عند وقوع الحوادث. ومع الانتشار المتسارع لهذه الوسيلة الحديثة، تحولت شوارع عدد من المدن المغربية إلى مسرح لحوادث مميتة وأخرى خطيرة، راح ضحيتها مستعملون في مقتبل العمر، فيما نجا آخرون بإصابات بالغة، جراء فقدان بعضهم السيطرة على دراجاتهم الكهربائية أو تعرضوا لاصطدامات مع مركبات أخرى، في مؤشر على أن "التروتينيت" لم تعد مجرد وسيلة تنقل حديثة، بل أصبحت تفرض تحديات جديدة على منظومة السلامة الطرقية بالمغرب. وخلال الفترة الأخيرة، توالت الحوادث المرتبطة باستعمال الدراجات الكهربائية بعدد من الحواضر المغربية، من بينها البيضاء ومراكش والقنيطرة وبني ملال... قبل أن تبلغ ذروتها، الأسبوع ما قبل الماضي بمدينة القصر الكبير، التي عاشت على وقع حادثة مؤلمة، راحت ضحيتها شابة في الحادية والعشرين من عمرها، متأثرة بإصابات تعرضت لها إثر سقوطها من دراجتها الكهربائية وارتطامها بقوة مع حافة الطريق الصلبة. وتعرضت الضحية (زينب.ح)، التي كانت قيد حياتها تشتغل بأحد الأسواق الممتازة بطريق العرائش، لسقوط خطير بالقرب من إحدى صيدليات الحراسة بحي الشرفاء، ما أسفر عن إصابتها بنزيف حاد وكسور وجروح بالغة في الرأس وأنحاء متفرقة من جسدها، ما تطلب نقلها إلى المستشفى الإقليمي بالعرائش، قبل تحويلها إلى المستشفى الجامعي محمد السادس بطنجة لتلقي العلاجات اللازمة، غير أنها فارقت الحياة بقسم العناية المركزة متأثرة بمضاعفات نزيف داخلي حاد،لتنضم إلى قائمة ضحايا حوادث الدراجات الكهربائية التي أخذت تتسع في عدد من المدن المغربية. حوادث تستنفر أقسام المستعجلات أصبحت أقسام المستعجلات بعدد من المستشفيات الكبرى بالمغرب، تستقبل بشكل شبه يومي وبوتيرة متزايدة ضحايا حوادث الدراجات الكهربائية "التروتينيت"، بعد أن تحولت هذه الحوادث من مجرد إصابات عابرة تتراوح بين جروح وكدمات،إلى حالات خطيرة في الرأس والوجه وأعضاء حيوية أخرى، تنتهي أحيانا بالوفاة، في مؤشر يعكس حجم المخاطر التي باتت ترافق الاستعمال المتنامي لهذه الوسيلة الحديثة. وكشف طبيب بقسم المستعجلات بالمستشفى الإقليمي محمد الخامس بطنجة، أن أغلب ضحايا هذا النوع من الحوادث يصلون إلى المستشفى وهم في حالة حرجة، نتيجة السقوط المباشر أو الاصطدام بالمركبات، وإصابتهم بجروح وكسور خطيرة ومتفرقة، إلى جانب إصابات جلدية تعرف بـ"حروق الطريق"، التي تنتج عن احتكاك الجسم بالإسفلت أثناء الانزلاق، موضحا أن خطورة أغلب الإصابات تتضاعف في غياب الخوذة الواقية، التي تظل الوسيلة الأكثر فعالية للتقليل من الإصابات القاتلة. وأكد المصدر، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أن تزايد هذه الحوادث يرجع إلى ضعف خبرة عدد من مستعملي "التروتينيت" وقلة إلمامهم بقواعد السير، فضلا عن السرعة المفرطة والانشغال بالهاتف المحمول، وعدم استعمال وسائل الوقاية، إلى جانب غياب بنية تحتية مخصصة للدراجات الكهربائية، ناهيك عن وجود حفر وتشققات ببعض الطرق، وهي من العوامل التي تزيد من احتمال فقدان السيطرة على الدراجة ووقوع حوادث غالبا ما تكون نتائجها وخيمة. حقوقيون يدقون ناقوس الخطر أثار تصاعد حوادث الدراجات الكهربائية "التروتينيت"، وما تخلفه من وفيات وإصابات بالغة، موجة استياء في أوساط هيآت حقوقية وباحثين مهتمين بالسلامة الطرقية، بعدما تحولت هذه الوسيلة الحديثة إلى مصدر قلق متنام داخل الفضاءات الحضرية بعدد من المدن المغربية، بما فيها الكبرى والمتوسطة، واستنكروا تأخر السلطات المعنية في وضع إطار قانوني يواكب انتشارها السريع ويحد من نزيف الأرواح الذي بات يرافق حوادثها. وفي هذا السياق، أكد مصطفى الشرقاوي، وهو باحث مهتم بالسلامة الطرقية والتربية المرورية بطنجة، أن الإشكال لا يرتبط بانتشار الدراجات الكهربائية في حد ذاته، بقدر ما يرتبط بغياب منظومة متكاملة تؤطر استعمالها، موضحا أن ضعف المراقبة والزجر ما يزال يفاقم الاختلالات المرتبطة بمختلف أصناف الدراجات، بما فيها الخاضعة أصلا لضوابط قانونية، وهو ما يفسر استمرار ارتفاع عدد الحوادث والضحايا رغم وجود نصوص تنظم جزءا من هذا القطاع. وأوضح الباحث، في حديث مع "الصباح"، أن الأسباب الرئيسة لارتفاع الحوادث المرتبطة بالدراجات الكهربائية، تعود بالأساس لطريقة قيادة هذه الوسيلة، التي تفرض وضعية الوقوف وتجعل مستعمليها أكثر عرضة للإصابة عند السقوط أو الاصطدام مقارنة بقيادة الدراجة في وضعية الجلوس، إذ تتضاعف خطورة الحادث عدة مرات بسبب فقدان التوازن المباشر وغياب أي وسائل حماية للجسم، وهو ما يفسر ارتفاع الإصابات البالغة التي تطول الرأس والوجه وباقي الأعضاء الحيوية في هذا النوع من الحوادث. واعتبر المتحدث أن الاستفادة من التجارب الدولية أصبحت ضرورة ملحة، مشيرا إلى أن عددا من الدول التي سبقت إلى تقنين استعمال هذه الدراجات لم تكتف بتحديد سرعتها، بل أرفقت ذلك بضوابط دقيقة تهم وسائل الوقاية، ومنع استعمال الأرصفة، وإحداث مسارات خاصة بها، إلى جانب تشديد المراقبة التقنية لمنع التلاعب بالمحركات، وتحديد السن القانوني، لمستعمليها، بما يضمن سلامة مستعملي هذه الوسيلة وباقي مستعملي الطريق. بين الرقابة والإكراهات أمام هذا الانتشار المتسارع للدراجات الكهربائية وتزايد أعداد مستعمليها في الشوارع والأحياء السكنية، تجد المصالح الأمنية نفسها أمام تحديات جديدة فرضتها تطورات العصر، إذ في غياب إطار قانوني متكامل يحدد بشكل دقيق كيفية استعمالها وشروط مراقبتها، أصبحت عملية ضبط المخالفات المرتبطة بها أكثر تعقيدا، خاصة في ظل تداخلها مع وسائل تنقل أخرى لا تخضع للضوابط نفسها. وأفاد مسؤول أمني بطنجة، أن مراقبة مستعملي الدراجات الكهربائية تتم على غرار باقي مستعملي الطريق، من قبل عناصر الأمن المكلفة بالسير والجولان، سواء عبر الدوريات الراجلة أو المتنقلة أو من خلال نقاط المراقبة الثابتة، إذ يتم رصد المخالفات التي تشكل خطرا على السلامة الطرقية، من قبيل السياقة المتهورة، أو عدم احترام إشارات المرور، أو استعمال الأرصفة وتعريض الراجلين للخطر. غير أن فعالية هذه المراقبة، يقول المسؤول، تظل رهينة بوجود نصوص قانونية واضحة تحدد طبيعة المخالفات المرتبطة بهذا الصنف الحديث، وتمنح المتدخلين السند القانوني الكافي لتطبيقها. وأوضح المسؤول، أن هذا الواقع يفرض على مختلف المتدخلين في مجال السلامة الطرقية اعتماد مقاربة تجمع بين المراقبة الميدانية والتحسيس والتأطير القانوني، بما يضمن حماية مستعملي الدراجات الكهربائية وباقي مستعملي الطريق، في انتظار أن يساهم الإطار التنظيمي المرتقب في توضيح اختصاصات أجهزة المراقبة، وتحديد المخالفات المترتبة عن سوء استعمال هذه الوسيلة، بما يعزز فعالية التدخلات الوقائية والزجرية ويحد من الحوادث التي أصبحت تسجل بوتيرة متزايدة. التأمين... الحلقة المفقودة < يعكس تزايد هذه الحوادث التحول السريع الذي يعرفه مجال التنقل الحضري بالمغرب، حيث انتشرت الدراجات الكهربائية بوتيرة أسرع من وتيرة تأطيرها قانونيا وتنظيميا. ومن منظور التأمين، فإن أي وسيلة تستعمل في الطريق العمومية وتكون قابلة للتسبب في أضرار للغير تستوجب إطارا واضحا يحدد المسؤوليات ويضمن حقوق جميع الأطراف. لذلك فإن تنظيم هذا القطاع لم يعد خيارا، بل أصبح ضرورة تفرضها حماية الأرواح والممتلكات والحد من النزاعات، التي قد تنشأ عقب الحوادث. < الإشكال الأساسي يتمثل في تحديد المسؤوليات وكيفية جبر الضرر. فعندما تكون القواعد القانونية غير مكتملة، قد يجد المتضرر أو حتى مستعمل "التروتينيت" نفسه أمام صعوبات مرتبطة بإثبات المسؤولية أو تحديد الجهة الملزمة بالتعويض. كما أن غياب تغطية تأمينية خاصة بهذا الصنف من وسائل النقل، قد يؤدي إلى تحمل المتسبب في الحادث التعويضات من ماله الخاص، أو إلى لجوء الضحايا إلى مساطر قضائية قد تستغرق وقتا طويلا. لذلك فإن وجود نظام تأمين واضح سيحمي الجميع، سواء مستعملي "التروتينيت" أو الراجلين أو مستعملي باقي المركبات. < أعتقد أن نجاح أي تنظيم لا يتوقف عند تحديد المواصفات التقنية أو شروط السير فقط، بل يجب أن يشمل أيضا إقرار تغطية تأمينية مناسبة، وتحديد المسؤوليات بشكل دقيق، حتى يكون كل طرف على بينة من حقوقه والتزاماته عند وقوع حادثة. كما ينبغي ربط ذلك بإلزامية احترام قواعد السير، وارتداء وسائل الوقاية، وتحديد السن القانونية للاستعمال، مع توفير فضاءات ومسارات آمنة كلما أمكن ذلك. فالتأمين، في نهاية المطاف، ليس مجرد وسيلة لتعويض الأضرار، بل آلية لترسيخ ثقافة المسؤولية والوقاية، والمساهمة في الحد من النزاعات وحماية حقوق جميع مستعملي الطريق. غياب إطار قانوني واضح لم يقتصر الجدل القائم حول الدراجات الكهربائية "التروتينيت" على الحقوقيين والمهتمين، بل امتد بقوة إلى منصات التواصل الاجتماعي، التي تحولت، عقب كل حادثة جديدة، إلى فضاء للنقاش وتبادل الآراء بشأن مستقبل هذه الوسيلة الحديثة وحدود استعمالها، إذ بين مطالب بتقنينها بشكل عاجل، وأخرى تدعو إلى منعها أو الحد من انتشارها، انقسمت مواقف المتابعين بين من يحمل مستعمليها مسؤولية تزايد الحوادث بسبب السرعة والقيادة المتهورة واستعمال الأرصفة المخصصة، وبين من يرى أن الخلل يكمن في غياب إطار قانوني واضح. وتفاعل مع الموضوع مئات من مستعملي الدراجات الكهربائية على منصات التواصل الاجتماعي، واعتبر أغلبهم أن "التروتينيت" أصبحت خيارا عمليا واقتصاديا للتنقل داخل المدن، وأكدوا أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في هذه الوسيلة، وإنما في غياب البنية التحتية الملائمة لاستعمالها، وهو الرأي الذي شدد عليه فؤاد الهوتة في تدوينة نشرها على صفحته "الفايسبوكية"،حين قال إن التقنين خطوة ضرورية، لكنه لن يحقق أهدافه في غياب مسالك مخصصة للدراجات الكهربائية، إلى جانب إلزام المستخدمين بارتداء الخوذة واحترام قواعد السير. وفي الاتجاه نفسه، رأى عدد من المتفاعلين أن تحميل "التروتينيت" وحدها مسؤولية الحوادث لا يعكس حقيقة الإشكال، معتبرين أن غياب ثقافة مرورية تحترم مختلف أصناف مستعملي الطريق، إلى جانب ضعف البنية التحتية، يساهمان بدورهما في ارتفاع عدد الحوادث.في المقابل، دعا عدد من مستعملي الطريق إلى تشديد المراقبة وعدم التساهل مع السلوكات الخطرة، خاصة السياقة بسرعة مفرطة، واستعمال الأرصفة، وتمكين الأطفال من قيادة هذه الدراجات، مؤكدين أن التقنين يجب أن يوازن بين تشجيع وسائل التنقل الحديثة وحماية الأرواح وضمان سلامة الراجلين وباقي مستعملي الطريق. التأمين... الحلقة المفقودة < يعكس تزايد هذه الحوادث التحول السريع الذي يعرفه مجال التنقل الحضري بالمغرب، حيث انتشرت الدراجات الكهربائية بوتيرة أسرع من وتيرة تأطيرها قانونيا وتنظيميا. ومن منظور التأمين، فإن أي وسيلة تستعمل في الطريق العمومية وتكون قابلة للتسبب في أضرار للغير تستوجب إطارا واضحا يحدد المسؤوليات ويضمن حقوق جميع الأطراف. لذلك فإن تنظيم هذا القطاع لم يعد خيارا، بل أصبح ضرورة تفرضها حماية الأرواح والممتلكات والحد من النزاعات، التي قد تنشأ عقب الحوادث. < الإشكال الأساسي يتمثل في تحديد المسؤوليات وكيفية جبر الضرر. فعندما تكون القواعد القانونية غير مكتملة، قد يجد المتضرر أو حتى مستعمل "التروتينيت" نفسه أمام صعوبات مرتبطة بإثبات المسؤولية أو تحديد الجهة الملزمة بالتعويض. كما أن غياب تغطية تأمينية خاصة بهذا الصنف من وسائل النقل، قد يؤدي إلى تحمل المتسبب في الحادث التعويضات من ماله الخاص، أو إلى لجوء الضحايا إلى مساطر قضائية قد تستغرق وقتا طويلا. لذلك فإن وجود نظام تأمين واضح سيحمي الجميع، سواء مستعملي "التروتينيت" أو الراجلين أو مستعملي باقي المركبات. < أعتقد أن نجاح أي تنظيم لا يتوقف عند تحديد المواصفات التقنية أو شروط السير فقط، بل يجب أن يشمل أيضا إقرار تغطية تأمينية مناسبة، وتحديد المسؤوليات بشكل دقيق، حتى يكون كل طرف على بينة من حقوقه والتزاماته عند وقوع حادثة. كما ينبغي ربط ذلك بإلزامية احترام قواعد السير، وارتداء وسائل الوقاية، وتحديد السن القانونية للاستعمال، مع توفير فضاءات ومسارات آمنة كلما أمكن ذلك. فالتأمين، في نهاية المطاف، ليس مجرد وسيلة لتعويض الأضرار، بل آلية لترسيخ ثقافة المسؤولية والوقاية، والمساهمة في الحد من النزاعات وحماية حقوق جميع مستعملي الطريق.