مجتمع

الهدم وتسربات مياه الصرف تهدد بكارثة بيئية بابن امسيك

مياه الصرف الصحي منسابة باتجاه الكاريان
السلطات أهملت الكتل الإسمنتية المخلفة عن عمليات هدم البيوت العشوائية للمستفيدين من سكن لائق

كاريان ابن امسيك قائم إلى أن تقوم عوضه إرادة حقيقة في القضاء على دور الصفيح بالدار البيضاء، ومادامت هذه الإرادة تختلط أحيانا ب»عين شافت وعين ما شافت» فإن على السلطات أن تعد عند الهدم نصف ما هدمته فقط، وإذن، إذا هدمت عشرة مساكن فعليها أن تضع في حساباتها خمسة فقط، لأن الخمسة الأولى ستنبت بين عشية وضحاها في اليوم الموالي. وستصبح رقما جديدا على الدولة أن تخصص له ميزانية لإعادة إيواء سكانه الجدد. وهذا ما يحدث في ابن امسيك، فحين تهدم السلطات براريك بعد أن تسوي وضعية سكان بترحيلهم إلى بيوتهم الجديدة، فإنها تغفل أن هذه البراريك المهدمة سرعان ما تستغل من طرف بعض الوافدين أو من سكان الحي القصديري كبراكة جديدة، فيعيدون بناءها من جديد، وهنا تكون السلطات قد سكبت الماء في الرمل، والدولة لعبت دورا سيزيفيا.

«هاذي كانت براكة، دابا ولات عشة، وماشي بعيد ترجع ثاني براكة» يقول أحد السكان، مضيفا أن السلطات بهدمها البراريك والمنازل العشوائية أهملت نقل ملفات عملية الهدم، «تترك الطوب في مكانه، ومنه ما هو صالح لإعادة البناء، وتترك ركام المنزل ما يفتح المجال أمام آخرين لإعادة بناء هذا المنزل ولو بوضع الطوب الواحدة فوق الأخرى، وتسقيفها بالبلاستيك، فيقضون فيها نهارهم وكأنهم سكان، ثم يبيتون في مكان آخر ليلا، أو العكس إذ هناك من يأتي كأنه مشرد ويستغل هذا البيت المهدم للسكن».
إعادة إنتاج بيوت عشوائية أو براريك ليس الخطر الوحيد الذي يهدد كاريان ابن امسيك، بل إن أغلب السكان غير المستفيدين ينتظرون من السلطات المحلية الحل النهائي لنقطة الخلاف بين الطرفين، «رفضوا إعادة إسكان ابنائنا المتزوجين، وبدورنا رفضنا هدم المنزل إذا كنا سننتقل بالشروط نفسها أي العيش متكدسين في منزل صغير، فما الفرق بين هذه الوضعية وتلك، لذلك إذا رفضوا حل المشكل على أساس أن تستفيد كل أسرة أو «كانون» كما يردد الجميع، فمن الأفضل لنا البقاء هنا».

بيوت عشوائية آيلة للسقوط

البقاء في كاريان ابن امسيك لم يعد آمنا، ليس لأن البيوت العشوائية مهددة بالسقوط نتيجة هدم بعضها وترك أخرى، ونتيجة الاضرار التي خلفتها العملية على أغلب البيوت المتجاورة، «هذا بناء عشوائي، معنى ذلك أنه لا تتوفر فيه شروط السلامة، وعندما يهدمون بيتا فإنهم يهددون الآخر بالسقوط دون حتى أن تمسه اياديهم، ولذلك عليهم أن يصفوا المشاكل بينهم وبين السكان الرافضين الترحيل بشروط السلطات قبل الشروع في الهدم، وإلا سيكون عليهم تحمل مسؤولية سقوط بيت ما على رؤوس سكانه». الخطر الآخر المحدق بالسكان بيئي، إذ تحول الكاريان إلى مستنقع تصب فيه النفايات السائلة الصلبة للحي المجاور، وكانت تلك نقطة مشتركة لاحتجاج سكان الحي، وكذا سكان الكاريان رغم أن كل واحد منهما يقذف الآخر بتهمة التسبب في المشكل، إذ في الوقت الذي يلح فيها سكان «البلوك» على تسربات المياه العادمة وانجراف التربة تحت بيوتهم ما يهددها بالانهيار في حال لم تتدخل الجهات الوصية لإصلاح القنوات التي تتسرب منها مياه الصرف الصحي منسابة في الأزقة. وهو المشكل الذي يعانيه السكان منذ سنوات وتزداد حدته عند كل تساقطات مطرية، خاصة أنهم أصبحوا يستشعرون خواء وفراغا تحت أرضيات بيوتهم. في الوقت نفسه يصر سكان الكاريان على أن سكان الحي يلقون نفاياتهم الصلبة والسائلة في الكاريان، ولا يعانون أي ضرر ماداموا لم يتقدموا بأي شكايات إلى الجهات الوصية لحل المشكل، وأن مياههم العادمة تجري ليل نهار لتصب في الكاريان.

مواجهة بين “البلوك” والبراريك

أحد سكان «البلوك» أكد أن ممثلين عن المتضررين انتقلوا بالفعل إلى مكتب رئيس مقاطعة ابن امسيك محمد جودار، قبل أن يعدهم المسؤول الجماعي بحل المشكل في أقرب الأوقات، في ما يتعلق بالصرف الصحي، فيما أوفد عمالا وجرافة لجمع نفايات البيوت العشوائية المهدمة، التي خلفتها عملية هدم براريك المستفيدين من سكن لائق في إطار برنامج محاربة السكن العشوائي.
ولم تتدخل المقاطعة، يقول أحد السكان، إلا بعد أن تحول الأمر إلى مواجهة لفظية يومية بين سكان «البلوك» والبراريك، إذ احتج الأخيرون على فيضانات قنوات الصرف الصحي التي تصب عند عتبات بيوتهم القصديرية، فيما احتج سكان «البلوك» على نفايات سكان الكاريان التي تحولت إلى مرتع للجرذان والحشرات الضارة والكلاب الضالة، وهي المواجهة التي عبرت عنها إحدى قاطنات دور الصفيح بالقول بسخط، «سكان المنازل يقضون حاجتهم في بيوتهم وقنواتهم توصلها إلى عتبات بيوتنا»، وهو ما رد عليه سكان أحد البيوت أو «مالين الديور» كما يسميهم سكان الكاريان، «لو قبل هؤلاء الحلول التي تضعها أمامهم الدولة للاستفادة من سكن لما اضطروا إلى العيش في برك المياه العادمة، وهم لا يعرفون أننا نعاني أيضا، فالرائحة تقتلنا وأبناؤنا يمرون يوميا من أزقة غارقة في مياه الصرف الصحي، والنوافذ باستمرار مغلقة  تفاديا للرائحة الكريهة التي بدأت أخيرا تخرج من الداخل، إضافة إلى مشكل الرطوبة في الجدران. باختصار أصبحنا نعيش وضعا أكثر خطورة من وضع سكان الكاريان المقابل لنا».
وتحولت أغلب البيوت التي رحل منها المستفيدون من سكن لائق، إلى خرب تسكنها الكلاب الضالة ومشردون يؤوون إليها ليلا، ومنهم من بنى فيها عششا قد تتحول مستقبلا إلى براكة جديدة في حال استمرت السلطات المحلية في لامبالاتها بالنفايات الإسمنتية التي تخلفها عملية هدم بيوت المستفيدين، إذ تهمل جمع نفايات عملية الهدم، ما حول الكاريان، الذي استعصى على السلطات إيجاد حل مع المئات من سكانه الرافضين للترحيل بشروط الدولة، إلى مزبلة للكتل الإسمنتية التي لم يتوان البعض في استغلالها لإعادة بناء بيوتات في العراء لا يستبعد سكان «البلوك» أن تتحول إلى رقم جديد وعائلة جديدة تطالب بالاستفادة من سكن.
ضحى زين الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق