بقلم: الفاضل الرقيبي تشهد مخيمات تندوف، اليوم، واحدة من أبرز لحظات الانهيار الشامل لتنظيم "بوليساريو"، إذ تتبدى ملامح الغرق النهائي لما تبقى من الجبهة بشكل لم يعد خافيا على أحد. فالأمر ليس مجرد هزة أمنية ظرفية، أو احتقان مرحلي، بل هو تحلل تدريجي لبنية الإيهام الجماعي، التي تأسس عليها المشروع الانفصالي الذي صنعه بوخروبة والقذافي، وها هو يتحلل إلى غير رجعة. فسفينة "بوليساريو" تغرق، وقيادة الرابوني، التي لطالما صورت نفسها حامية لقضية مصطنعة، تنصرف الآن إلى تأمين مصالحها الخاصة في ملاذات استثمارية بموريتانيا وإسبانيا ومدن الشمال الجزائري، بينما تعي أن لحظة النهاية قد اقتربت، لتترك خلفها المخيمات رهينة لمصير بائس، وعلى النظام الجزائري أن يتحمل تبعات بقائها أو التخلص منها. ويشكل هذا المعطى الجديد فوق الأرض تجسيدا صارخا لحجم التحولات الجذرية التي تعصف بالبنية الداخلية لهذا التنظيم المتآكل، وتعبيرا واضحا عن حالة الإحباط الجماعي التي تهيمن على أوساط الشباب الصحراوي في المخيمات، الذين باتوا يظهرون رفضهم لكل سرديات "بوليساريو" المتهاوية. فالخيارات المتاحة أمامهم تضيق إلى حد الاختناق: إما البقاء رهينة لقيادة مفلسة أخلاقيا وسياسيا، تواصل المتاجرة بمعاناتهم دون أفق، أو الانخراط في مغامرة محفوفة بالمخاطر بحثا عن مخرج فردي من جحيم القهر اليومي في ظل استهدافهم برصاص الجنود الجزائريين، لمجرد محاولتهم كسر الطوق المضروب حول مصائرهم. وأمام هذه المعادلة القاسية، يكون من الطبيعي أن يتلاشى الانتماء التنظيمي إلى "بوليساريو"، ويتغلب منطق النجاة الفردية على كل الروابط المصطنعة التي ظلت تروج لها قيادة الرابوني لعقود، وعلى الهوية الانفصالية الهشة، التي حاولت الجزائر ترسيخها لسنوات بالدعاية المكثفة والعنف. وبالموازاة مع الانهيار المتسارع على مستوى القاعدة الاجتماعية، التي سعت "بوليساريو" إلى الإبقاء عليها قسرا داخل المخيمات، يتبدى اليوم بشكل فاضح تآكل سردية العقد الأخلاقي والسياسي الموهوم، الذي يربط القيادة وسكان المخيمات، حيث إن ما كان يقدم في الماضي على أنه علاقة تمثيل سياسي كاذب للصحراويين، اتضح، اليوم، أنه مجرد غطاء هش لتبرير ممارسة هيمنة فاسدة ومنفلتة. فعمليات تهريب الأموال إلى الخارج، والاستثمارات السرية في موريتانيا وإسبانيا، والتي تشرف عليها قيادات نافذة من الصف الأول، لم تعد مجرد وقائع عابرة، بل تحولت إلى نمط بنيوي يحكم سلوك القيادة، التي تغرق اليوم أكثر من أي وقت مضى، في منطق الغنيمة والانتهازية، وكأن هذا السلوك يعكس إدراكا حتميا لدى قيادة "بوليساريو" بأن المشروع السياسي الذي بنوا عليه شرعية وجودهم يتهاوى، وأن زمن التلاعب بشعارات التحرير شارف على نهايته، وهو ما يبرر مسارعتهم إلى تأمين مصالحهم الخاصة، عبر بناء شبكات مالية مافيوزية عابرة للحدود، في مشهد يطابق، بكل تفاصيله، النماذج المعروفة لانهيار الحركات المسلحة التي تفقد مبرر وجودها، فتنزلق نحو التحول الإجرامي. ينضاف إلى كل هذا، مشهد آخر يلخص بؤس المرحلة التي وصلت إليها "بوليساريو"، إذ مر المؤتمر العاشر لاتحاد العمال الصحراويين مرورا باهتا، دون أن يثير أي اهتمام يذكر، لا داخل المخيمات ولا خارجها. فما كان في السابق مناسبة لا تفوتها "بوليساريو" لتجييش الآلة الدعائية، وحشد الخطابات الرنانة، وتحريك شبكات المساندة من بعض المنظمات الدولية، بات اليوم مجرد حدث عابر، لا يجد من يصفق له، سوى وجوه هرِمة، اعتادت لعب الأدوار ذاتها لعقود. ولأن إبراهيم غالي اختار، عن وعي، عدم استغلال مؤتمر اتحاد العمال لتقديم صورة موهومة عن زخم سياسي واجتماعي متجدد بالمخيمات، فذلك يعكس أن تنظيمه قد أقر ضمنيا بتآكل شرعيته في أوساط من كان يدعي تمثيلهم، وهو ما يفسر تراجع الخطاب الاحتفالي، الذي كان يرافق مثل هذه المناسبات، ويكشف أن "بوليساريو" أصبحت غير قادرة على إخفاء هشاشة بنيتها الداخلية، أو على بث أوهام الزخم والتحشيد، وكأنها تلعب أدوارها الأخيرة فوق مسرح مهجور، أمام مقاعد فارغة، في انتظار سقوط الستار النهائي على مغامرة سياسية استنزفت كل ما كان يمكن أن يمنحها حياة مستعارة. إن كل ما يجري اليوم في المخيمات، هو في جوهره تصفية تاريخية لفكرة لم تكن يوما صالحة للحياة. فانهيار "بوليساريو" لا يعني فقط نهاية تنظيم، بل يعني أيضا نهاية سردية استثمرت فيها معاناة الصحراويين لخمسة عقود، وتمت تغذيتها بأوهام الثورة والانفصال. ومع كل يوم يمر، يصبح واضحا أن واقع المخيمات لم يعد يحتمل استمرار الوهم، وأن الصحراويين الراغبين في الخلاص باتوا يدركون أن كسر الطوق لا يكون بالتشبث بسفينة غارقة، بل بالالتحاق بمشروع يتيح لهم العيش الكريم والمشاركة الحقيقية، وهو ما يجدونه بوضوح في الأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية.