fbpx
ملف عـــــــدالة

انتداب القضاة… التأديب المقنع

إدارية الرباط ألغت قرار المشيشي العلمي بشأن انتداب رئيس المحكمة الابتدائية

لم يعتبر المشرع المغربي انتداب القضاة المنصوص عليه في الفصل 57 من القانون الأساسي للقضاة، إجراء تأديبيا يدخل ضمن خانة التأديبات المنصوص عليها في حال ارتكاب القضاة لمخالفة أو خطأ مهني يمس بالوقار أو الكرامة، أو غيرها من  المخالفات التي تستوجب التأديب. وإنما هو إجراء ارتأى المشرع وضعه في سلطة وزير العدل عند الحاجة لملء فراغ في قضاء الحكم أو التحقيق أو النيابة العامة بانتداب قاض للقيام بهذه الأعمال لمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر في كل سنة، غير أنه يمكن له بالطريقة نفسها وبموافقة القاضي المعني بالأمر أن يجدد الانتداب لفترة واحدة أخرى لا تتجاوز ثلاثة أشهر، ويكون القضاة المنتدبون تطبيقا للفقرتين السابقتين من درجة أدنى أو مساوية للمنصب الشاغر. فالانتداب يتم اللجوء إليه فقط عند الحاجة، ولمدة معينة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، وفي حال ما ارتأى وزير العدل الذي يعطيه القانون سلطة انتداب القاضي أن الضرورة تستوجب أن يظل لقاضي المنتدب في ذاك المكان لمدة إضافية لا تتجاوز ثلاثة أشهر أخرى، وربط تلك الإمكانية بضرورة موافقة القاضي المنتدب على البقاء.
فشرط الموافقة ضروري في هذه العملية إلا أن الملاحظ أن العديد من القضاة الذين يتم انتدابهم لأجل ملء منصب شاغر في قضاء الحكم أو التحقيق أو النيابة العامة، يظلون في ذلك المنصب خلافا لما هو منصوص عليه قانونا، ويتجاوز ما هو مقرر  قانونا إذ يصبح في حالات معينة تأديبا، على اعتبار أن القاضي الذي تم انتدابه لملء المنصب الشاغر لا يمكنه الرجوع إلى منصبه السابق بعلة عدم وجود مقرر يفيد ذلك، أو غيرها من التبريرات التي تجعل الانتداب عقوبة، خاصة أنه في حالات معينة لا تكون هناك ضرورة له.
وإن كان يبدو نظريا أن هذا الإجراء يعد استثناء وليس قاعدة، دأب بعض وزراء العدل عى اللجوء إلى هذه الصلاحية الاستثنائية وجعلها قاعدة، التي لا يمكن اللجوء إليها إلا لتغطية نقص حاصل في عدد قضاة محكمة معينة تفاديا لتعطيل المرفق العمومي أثناء عدم انعقاد دورات المجلس الأعلى للقضاء، وبذلك أضحى الانتداب- بشهادة الكثيرين- يستغل أحيانا كإجراء تأديبي لا يمت بصلة للمصلحة العامة، الشيء الذي يجعل جل القضاة تحت التهديد وتحت رحمة وزير العدل.  
ويرى المتتبعون أن التباين في التعامل مع الفصل 57 من القانون الأساسي للقضاة، من طرف وزراء العدل يظهر في فهم مقتضيات الفصل وإعماله عند الضرورة القصوى، وتباينت مواقفهم بشأن مدى ضرورة إعمال ذلك الفصل وما هي الحالات التي يتوجب فيها ذلك؟ وحدود صلاحيات الوزير في استعماله؟ هل هي مطلقة أم يمكن الحد منها واعتبارها شططا في استعمال السلطة؟ كما هو حال واقعة الدعوى التي رفعها محمد العيادي رئيس المحكمة الابتدائية بالرباط سنة 1995، عندما كان محمد مشيشي العلمي وزيرا للعدل، اتهمه فيها بالشطط في استعمال السلطة بعد أن أقر مشيشي أن ينتدب العيادي عوض أن ينفذ الظهير الشريف الذي عين  العيادي رئيسا للمحكمة الابتدائية بالرباط، إذ أقرت المحكمة الإدارية بشطط الوزير في استعمال السلطة وحكمت لفائدة القاضي الطاعن في قرار الوزير، وأكدت أن اتخاذ قرار الانتداب عطل مفعول الظهير ومس بقوته التنفيذية خارقا بذلك مبدأ تدرج القواعد القانونية.
ويطالب الكثير من المهتمين بأن تتم إعادة النظر في مقتضيات الفصل 57 والسلطة المطلقة المخولة من خلاله إلى وزير العدل، حتى لا يبقى سيفه مسلط على رقاب القضاة الذين يطمحون إلى منحهم الضمانات الكافية التي تمكنهم من ممارسة مهامهم في جو تطبعه الشفافية.

كريمة مصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى