fbpx
ملف عـــــــدالة

سلطة التأديب من خلال تعاقب وزراء العدل

وزراء استعملوها بشكل متفاوت وآخرون رفضوا أن توضع في صحيفة سوابقهم

تتسم العلاقة بين وزراء العدل والقضاة بالمد والجزر، تحكمها نوعية التعامل بين الوزير والقضاة، في ما يتعلق بالتأديبات التي تشكل البعبع المخيف على اعتبار أنها في حالات معينة تكون غير مبنية على أسس وإنما نتيجة خلافات أو حسابات يؤدي القاضي ثمنها. سلطة التأديب التي يضعها المشرع في يد وزير العدل تعتبر سلاح ذا حدين لأن الوزير الذي هو عضو بالمجلس الأعلى للقضاء، بالنظر إلى أنه ينوب عن رئيسه، ورئيس النيابة العامة تجعل منه الخصم والحكم.
ازدواجية السلطات المخولة لوزير العدل قد تعطي نتائج عكسية تضرب مبدأ استقلال القضاء واستقلال القاضي والضمانات القانونية المخولة له للقيام بمهامه على النحو المطلوب.
ويرى المتتبعون أن عملية شد الحبل بين القضاة والوزارة ظهرت بشكل قوي في عهد المرحوم مصطفى بن العربي العلوي، الذي كان موضوع تظلم من القضاة على إثر اعتقال مستشار من محكمة الاستئناف بالرباط، وظهرت لأول مرة الحركة الاحتجاجية للقضاة الذين عبروا عن رفضهم أن يتم التعامل مع زميلهم بتلك الصورة، دون أن يمنح الضمانات القانونية المخولة، وعمد القضاة إلى بعث رسالة إلى الديوان الملكي كانت الفيصل في ذلك الخلاف بعد أن أطلق سراح القاضي، وقدمت لهم ضمانات. عمد القضاة خلال تلك الفترة خاصة منهم المنتخبين بالمجلس الأعلى للقضاء إلى الحصول على ضمانات تحد من سلطة الوزير، خاصة فيما يخص مسألة التنقيلات أو الانتداب التي كانت تشكل غطاء لتأديبات مقنعة. ومن بين الحالات إحداها تخص قاض صدر قرار بنقله إلى منطقة تعتبر ضمن المناطق التأديبية بسبب حكم أصدره، ما دفع عضوا منتخبا داخل المجلس  إلى طرح قضيته، وبعد إجراء بحث في الموضوع تبينت براءة القاضي من المنسوب إليه، فكان المجلس أو بالأحرى وزير العدل بن العربي اتخذ قرارا تأديبيا دون أن يسلك المساطر. شكلت تلك الحادثة ومثيلتها عبرة استخلصها الوزير الذي طلب من أعضاء المجلس تدوين كل تلك الأحداث للرجوع إليها، بعد أن تعهد بدراسة جميع الملفات قبل اتخاذ القرار.
بعد بن العربي تولى منصب وزير العدل محمد  الإدريسي العلمي المشيشي، لم تكن علاقته بالقضاة على ما يرام بعد أن صرح أن القضاء المغربي يعرف فسادا، وبدأ في اتخاذ قرارات كانت محط دعوى شطط في استعمال السلطة من قبل قاض. ويرى المتتبعون أن استعماله لبعض سلطاته كان فيه نوع من الشطط وبني على ما يتم استقاؤه من الدوائر المحيطة به والتي غالبا ما يكون لها غاية في مثل تلك القرارات. وعلى غير بن العربي والمشيشي لم يشهد عهد عبد الرحمان أمالو أي حالة شد وجذب مع القضاة، وظل يتحفظ في اتخاذ القرارات ويستشير فيها، رغم الإملاءات التي كانت تملى عليه.  إنه حسب العارفين خرج بملف فارغ من السوابق.
لم تشهد الساحة القضائية بالمغرب مثل حركة شد الحبل مع وزير كما هي حال في عهد عمر عزيمان، إذ شهدت تلك الفترة التي امتدت منذ 1997 إلى غاية 2002، العديد من الصراعات بين القضاة والوزير، كان أولها عندما عمد إلى وصفهم في لقاء بأحد فنادق البيضاء أنهم مرتشون، مادفع مجموعة منهم إلى الاعتصام داخل المعهد العالي للقضاء احتجاجا على ما اسمه إهانة لم تنته إلا برسالة من جلالة الملك المغفور له الحسن الثاني، خفت من حدة الاحتقان، بعد تلك الحادثة توترت العلاقة بين القضاة والوزير الذي حاول أن يعلن عن حملة تطهير وقام بإجراءات لم يتقبلها القضاة من بينها تقسيم المناطق، والكفاءة العلمية التي دفعت مجموعة من القضاة إلى الرجوع إلى مدرجات الجامعة لأجل الحصول على دبلومات وشهادات تمكنهم من الترقي بسرعة، وأغفل جانب العمل والاجتهاد ما خلق نوعا من الميز بين القضاة. كما اتخذت في عهده مجموعة من القرارات  لم يتقبلها القضاة.
عجل حريق سجن  بالجديدة برحيل عزيمان ليتولى المرحوم محمد بوزبع منصب وزير العدل. ورغم أن بوزبع جاء إلى القضاء من مهنة المحاماة إلا أن فترة ترأسه الوزارة شهدت حالة شد مع القضاة، كانت بدايتها قضية القضاة الخمسة الذين اعتقلوا على خلفية ملف منير الرماش دون احترام إجراءات الامتياز القضائي. عرضت النازلة على أنظار محكمة العدل الخاصة، دون احترام جملة من الإجراءات المنصوص عليها بخصوص مقاضاة ومتابعة القضاة المتهمين. انتفض بعض القضاة وأعدوا عريضة تندد بتلك الإجراءات، ختموها بالمطالبة بإصلاح الجهاز القضائي، وعلم بوزبع بتلك العريضة لتستنفر كل المصالح الإدارية بالوزارة وخارجها لمنع القضاة من التوقيع عليها، وكان من بين الضحايا الذين انضافوا إلى القضاة أحد أعضاء المجلس الأعلى للقضاء جعفر حسون، إذ تم توقيفه ولم يعد إلا بعد عفو ملكي. وبعد أن أدين القضاة تمت تبرئتهم في ما بعد وأعيدوا إلى عملهم، ما جعل القرار الصادر ساعتها باعتقالهم محط استفهام.
لم يرغب عبد الواحد الراضي وزير العدل السابق والسياسي المتمرس أن تطبع مسيرته أي قرارات تأديبية بشأن القضاة، قد تكون نتيجة تصفية حسابات، بل إنه لمن يرغب حتى في توقيع أي قرار انتداب، وظل يراقب فقط.
في يناير 2009 تولى محمد الطيب الناصري مهام وزير العدل، في ظل الإصلاحات التي أطلقها جلالة الملك لورش إصلاح القضاء. وعرفت تلك الفترة العديد من الأحداث كان أهمها ما تعرض له القاضيان جعفر حسون ومحمد أمغار، اللذان عزلا من منصبهما بناء على قرار للمجلس الأعلى للقضاء مع الاحتفاظ لهما بحقوقهما في التقاعد، لارتكابهما أعمالا خطيرة تمس بالشرف والوقار والكرامة، حسب ما تناولته وكالة المغرب العربي للأنباء. وشكلت نقطة توقيف القاضيين وعزلهما مثار نقاش واسع حول صلاحيات الوزير، خاصة أن من شملهما القرار عضوان بالمجلس  الأعلى للقضاء المصدر للقرار، وعن الخلفيات الحقيقية وراء القرار.

كريمة مصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى