عنف وتحرش ونظرة مجتمعية متخلفة وصمت الجمعيات النسائية هن نساء "الموقف"، لم يجدن منفذا للعمل في شركات النظافة، أو رفضن العمل بها، لأنها لا تؤدي الحد الأدنى للأجر، وتسرحهن بدون موجب حق، وجدن أنفسهن في انتظار شخص يؤدي مالا مقابل شغل طيلة اليوم أو نصفه، أو من يسعى إلى استغلال الفرصة لإشباع غريزته على حساب نساء مقهورات. نساء يحلمن بتحصيل مال لسد رمق أسرة مفككة، عن طريق العمل المنزلي، ويحاولن صد التحرش الجنسي، والشتائم الحاطة بالكرامة، بل والاغتصاب،هن من اللواتي يرتدين ملابس رثة، بينهن من تدخن، وأخريات يثرثرن بلا توقف وكأنهن يعشن شريطا سينمائيا طويل الحلقات. نساء زنقة يوغوسلافيا يقاومن شظف العيش حينما تقف سيارات، يتسابقن "أ سيدي، ألالة خاصكم شي خدامة أنا كندير كلشي"، أسيدي الجفاف والصابون، ولغسيل والطياب وحتى الزرابي والمانطات "، يقتعدن رصيف الشارع، بزنقة يوغوسلافيا، التي تتقاطع مع شارع علال بن عبد الله، وحديقة نزهة حسان، المطلة على شارع الحسن الثاني، يستظللن بالأشجار في انتظار قدوم الزبائن، وإذا كنت مارا قربهن، ولم تستقبل إشارتهن في أن يذهبن معك للقيام بالأعمال المنزلية، فإنهن، يطلبن منك مالا مساعدة على اقتناء حاجيات الأسرة، مدعيات أنها ليست صدقة تمنح للمتسولات، اللواتي يوجدن على النقيض من ذلك قرب مسجد "مولينا" المجاور لحديقة نزهة حسان، وفي حال إذا كان الرفض عبر إيماءة من رأسك، بعضهن يطلبن منك مدهن بسيجارة، خاصة الشابات منهن اللواتي أصبح وقوفهن في المكان بلباس عصري، أمرا عاديا، بعدما كان في السابق مثيرا للغاية، إذ يحبل هذا الزقاق، وما جاوره بتناقضات بين مسجد وحانة، ومطاعم، ومتسولات يدخلن في ملاسنات حول من تعيش أحسن من الأخرى، ومن تمكنت من اقتناء منزل بعرق جبينها عبر التسول، هكذا يعلو صراخهن، فيما تندب اللواتي في الموقف حظهن، لأنهن لا يملكن منزلا، بل يكترين بيوتا في منازل مشتركة بسلا.ما تغير بين الأمس واليوم، بهذا المكان، هو ظهور شابات في مقتبل العمر، يشتغلن خادمات بيوت وعاملات جنس أيضا، ولكن لا يمكن نعتهن بذلك، وإلا تعرضت لوابل من الشتائم تحتاج معها "سلاكة" ممن يتهجمن، طبعا بمساعدة رجال يرابطون قرب المكان.أهم يوم في حياتها، تقول فاطنة،( اسم مستعار) في الأربعين من عمرها، هي أن لا يطلب منها الزبون، علاقة جنسية، لأنها تريد أن تشتغل بما يرضي الله، ولا تلوي على جمع حفنة مال كي تطعم أولادها الذين تركهم أبوهم هاربا من تحمل المسؤولية، بعد طلاق نهائي لا رجعة فيه.فاطنة، تتحسر على الوضع الذي آلت إليه الأسرة الآن، لأنه في السابق كان الأفراد يعيشون في بيت واحد متضامنين لا يشعرون بفقرهم، ولا بقلة ذات اليد، فيما اليوم كل واحد يتحمل مسؤوليته، فالفقر هو وصمة عار، وولادة الأبناء في أسرة فقيرة هو العار نفسه، لأنه يؤدي بك إلى أن تعيش في "تمرميد"، تروي فاطنة.المرأة خادمة بيوت لها كرامة، لكن بعض الزبناء، وبعض الشابات "كرفسن" هذه الحرفة، عبر إخفاء العمل الحقيقي ممتهنات للجنس، والظهور بمظهر الخادمة، لكن أصعب شيء، حينما تصدم بعينة زبائن لا رحمة ولا شفقة فيهم، مصابين بأمراض التحرش الجنسي، والاستغلال البشع لجسد امرأة هي أصلا منهكة، تحكي فاطنة، والصراع سيستمر بين الاثنين، إلى حين إيجاد حل يمنح النساء المطلقات والأرامل والأمهات العازبات، مساعدات مالية من الدولة، كما حث على ذلك عبد الإله بنكيران، رئيس الحكوم.فاطنة تريد من المسؤولين، مساعدتها، فهي تشتغل خادمة، وتتعرض للتحرش والاستغلال الجنسي، وتدخل في صراع مع متسولات، حينما ينقطع العمل المنزلي أو يشح لكثرة المتنافسات. الاستغلال الجنسي بعد العمل المنزلي عويشة (اسم مستعار) التي تصرخ في وجه صديقاتها بالاحتراس من الذئاب المفترسة، تحثهن على عدم التباهي بمفاتن الجسد حتى لا يسقطن فريسة للاستغلال الجنسي البشع الذي قد يشارك فيه مجموعة من أصحاب مالكي البيت، تروي أنها تعرضت، وهي شابة لأبشع أنواع الاستغلال، لأن زوجها الفقير، مدمن كحول ومخدرات، جراء قرار شخصي له، حينما طرد من عمله، وأصبح عالة على الأسرة، يطلب تحضير وجبات الأكل، وفي الوقت نفسه، مالا لشراء "البلية"، ما زاده إلا عنفا لفظيا ونرفزة، لدرجة أنه طلب منها يوما ما أن " تخرج وتدبر على رأسها"، فكان أن وقفت كما النساء بالموقف، كل مرة تجلب معها مالا أحيانا يصل إلى 150 درهما، في يوم واحد، لكن في أحد الأيام، أقلها شاب على متن سيارته، وولج بها منزلا بحي راق، وهناك حضر لها أكلا مجهزا وحينما أكملت شغل البيت كما طلب منها، تبادل معها أطراف الحديث وهما يتناولان وجبة غذاء، ارتاحت لحديثه، فمنحته فرصة عبر التلميح، فاستغلها جنسيا، مقابل أداء مالي، وشاركه أصحابه وحصلت على 300 درهم ذاك اليوم، فانتصرت لفكرة زوجها المدمن" دبري على راسك"، لكن مع مرور الوقت، شعرت أنها لم تعد خادمة بيوت، ولكنها عاهرة بطريقة مقنعة. خادمات قهرهن الزمن هذا الموقف الذي سلكته "عويشة" في حياتها، وطلبت من الشابات عدم السقوط في حباله الملتوية، ترفضه الضاوية( اسم مستعار)، لأنها اعتادت أن تكون في مستوى الاصطدام، كلما تجرأ شخص على مفاتحتها في هذا النوع من المواضيع، وتؤكد أن الأمر لا علاقة له بالجمال، الذي كانت تتباهى به "عويشة"، وهي شابة، ودخلت الآن خريف العمر، ولكن له علاقة باحتقار أنواع معينة من النساء اللواتي يوجدن في حالة بؤس، ولا يستطعن أن يخرجن منه، خاصة اللواتي سقطن في خطأ ولادة أطفال من زوج فقير، محتجة أن هذا النوع من النساء عليهن "ربط لكرون باش ما يولدوش، وعيشوا الهم ولمسخ والمرض والقهرة والويل"، متسائلة لماذا يستغل الرجال، هذا النوع من النساء؟ حتى اللائي لا يتمتعن بأي جمال بل منهن من هي قبيحة الوجه؟ مجيبة أن هناك من هو مريض جنسيا، يريد إشباع غريزته بطريقة شاذة، وهناك من يعتقد أن استغلال نساء الموقف، هو شعوره بالرجولة، لكن اللائي يواجهن التحرش الجنسي، ومحاولة اغتصابهن، يمتلكن قرار أنفسهن، لأن هناك نساء كثيرات لم يلمسهن أحد ينتهين من عملهن، ويحصلن على أجرتهن، ويغادرن بدون مشاكل، وحتى إذا بادر مالك البيت إلى التحرش فردهن يكون قويا، وبالتالي يتعظ الشخص، ويتراجع عن موقفه.وساندتها زينب (اسم مستعار) مؤكدة أنها تفضل الذهاب مع امرأة للقيام بأعمال المنزل، رغم بخل النساء، إذ يتشددن في أداء المقابل المالي الذي يعوض عرقهن في العمل المنزلي، مستغربة أن تقود صاحبة المنزل سيارة بـ 40 مليونا، وتعيش في فيلا راقية أو شقة كبيرة المساحة، وتنفق على سهراتها الأسبوعية، عشرات الآلاف من الدراهم، لكنها شحيحة كثيرا في ما يخص تعويض الخادمات، بل تدخل في جدال معهن. بالتأكيد أن ما قامت به الخادمة هذا اليوم لا يعدو أن يكون سوى عمل هامشي لا يستحق إلا 100 درهم، وأن السوق مليء بالنساء باللواتي يشتغلن بـ 50 درهما فقط، فتخيرهن بين قبول 100 درهم، أو العودة إلى الموقف، وقلة من تمنح لهن تعويضا يغطي ساعات العمل، مع صدقة عبارة عن بقايا أكل صالح للهضم، وملابس مستعملة، وبعض الحاجيات المرتبطة بالمطبخ كالأواني. خادمات بحي أكدال... حكايات حكايات كثيرة تلك التي عاشتها نساء الموقف بساحة رابعة العدوية، بحي أكدال، الذي كان يقال أنه حي راق، لكنه تحول إلى حي "الزوافرية" والمتزوجين "صحاب لقصاير"، الذين يسقطون ضحية إدمان الخمور، وبعضهم على المخدرات، ويظهر له أن النساء خادمات البيوت في الموقف هن الأسهل لتلبية كافة الطلبات بما فيها السادية في الممارسة الجنسية. والزبون المنتظر الذي يقف عليهن بسيارته إما فاخرة أو من النوع الجيد، سواء أكان رجلا وهو في الغالب كذلك، أو امرأة، يأتي لغرض البحث عن تدبير أمور البيوت، لنصف يوم أو يوم بأكمله، لكن الإشكال يكمن حينما يستغل الشباب، نساء الموقف للمتعة الجنسية، خاصة وأن نسبة كبيرة منهن، مقبولات المظهر والمنظر، في سن الثلاثينات والأربعينات من العمر.ورغم أنه يعد حيا راقيا وسط العاصمة الرباط، بعد حي الرياض، فإن قاطنيه الذين يتابعون السياسة واعون بأن هناك قوانين تحمي حقوق الإنسان، وقانون يحضر لحماية خادمات البيوت، ومع ذلك، يتم استغلال النساء المقهورات جنسيا، فهناك قصص كثيرة ترويها نساء الموقف بهذا الحي. خادمة بيوت وعاملة جنس جسد سوسن (اسم مستعار) كجسد أي امرأة، قد يقال إنه مثير، لكن الإثارة ترى حينما يستغل الشخص تلك الخادمة، جنسيا ويمارس ساديته التي يخفيها عن زوجته، أم أطفاله، لكن الاختلاف بينها وبين الضاوية بموقف زنقة يوغوسلافيا، أنها تتمكن من إخراج المال من محفظة الرجال كما تريد، ليصل في اليوم إلى 300 درهم أو 400، أما الليل، فله طقوسه الخاصة.ولا تحتاج سوسن إلى مناقشة التحرش الجنسي، لأنها ألفت أن تجمع بين عمل "لحلال" وعمل "لحرام"، كما تروي على طريقتها "شوية لربي وشوية لعبدو"، لتضحك النساء جميعهن، وكأنهن طوين زمن القهر بضحكة صافية، يبحث عنها الأغنياء ولا يجدون سوى " الضحكة الصفراء". أم عازب تربي ابنتها من الخدمة في البيوت تعرف سوسو(اسم مستعار) كيف تراود زبونها، خاصة إذا كان لوحده في شقة بعمارة، تقوم بعملها المنزلي، وتحرص على أناقتها، وتؤدي ما عليها، وتحصل على أجرتها التي تم الاتفاق بشأنها مع الزبون، لكن حينما يطلب منها الممارسة الجنسية، تدخل معه في مفاوضات دقيقة عما يبحث عنه، وكل شيء بثمنه، هي التي عاشت محنة حب أعمى وهي مراهقة، أثمرت بنتا، أما عازبا هربت من بيت أسرتها من طنجة، خوفا من بطش العائلة في جرائم الشرف، إذ لم تتمكن من بيع ابنتها التي ولدتها بالرباط، كما يفعل عدد كبير من النساء، ولم تقم بكرائها بـ50 درهما للمتسولات، ولكنها تحرص على تربيتها بكل ما أوتيت من قوة، خادمة بيوت، وعاملة جنس، المهم أنها تحرص على التعامل مع زبناء من طينة الرجال " السخيين"، الذين يصبحون ودودين، حينما يطلعون على صورة ابنتها، فتصبح الشفقة مضافة إلى الاستغلال الجنسي لمساعدتها على تحمل عبء الحياة. تبادل أرقام الهواتف رغم آثار البؤس البارزة على نساء الموقف، فإنهن لا يبالين، إذ يتسابقن على الزبائن، سواء الذين يقفون بسياراتهم، أو الذين يحصلون على أرقام الهواتف المحمولة، لتحديد موعد. اللواتي يظهرن حزما في العمل مطلوبات، من قبل الزبناء، إذ يأتين إلى الموقف، لكنهن لا ينتظرن كثيرا لأن الزبائن يتصلون بهن على الأقل مرة واحدة في الأسبوع، ويعني ذلك أن الخادمة التي تشتغل بتفان قد تحصل على 3 فرص في الأسبوع بشكل شبه دائم.فيما اللواتي يخلطن بين العمل المنزلي والعمل الجنسي، هواتفهن لا تتوقف عن الرنين، إذ يغطين حاجياتهن المالية، لوفرة الطلب، بين الشباب العازب، والطلبة الأجانب الذين يقطنون في حي أكدال، بعدما هجره السياسيون والمثقفون نحو حي الرياض، بعد تحويل المدار القروي لأراض كيش الوداية إلى أراضي سكنية، لكن بعض أولئك الساسة من مختلف الطيف الحزبي، لا يزالون يحتفظون بشقق في أكدال، للترويح عن النفس عبر استغلال بشع لأجساد الفقيرات البئيسات، فهناك قصص حول ساسة وخادمات بيوت، عاملات جنس، لكن تأكيد صحة القصص بقى مسألة صعبة. إعداد: أحمد الأرقام - تصوير (عبد المجيد بزيوات وعبد اللطيف مفيق)