fbpx
ربورتاج

مهاجرون مغاربة عالقون بين الضفتين

بعضهم يبحث عن مهن بديلة وآخرون صنعوا الاستثناء بعد عودتهم
لم تعد الهجرة تلك الدجاجة التي باضت ذهبا في سلة الرعيل الأول من المهاجرين، فلا العودة للاستقرار بالمغرب يسيرة، و لا الاستمرار في المعاناة بمنطق الأزمة داخل الديار الأوربية أضحى ممكنا. مهاجرون عادوا إلى الوطن، إلا أنهم مازالوا عالقين هناك،  ينتظرون  حل  الأزمة، ومهاجرون، تعايشوا مع الوضع الجديد.

أربعة عقود ونيف كانت كافية لتغيير معالم منطقة بني مسكين بإقليم سطات، ووضعها على رأس قائمة المناطق المصدرة للمهاجرين وطنيا، إحصائيات غير رسمية أكدت أن أكثر من نصف سكانها مهاجرون، إذ لا يمكن أن تجد أسرة ب”البروج” لا يوجد من بين أفرادها أكثر من مهاجر، الأمر الذي أثر بشكل كبير على أنماط العيش داخلها. الطابع القروي ما يزال حاضرا من خلال الاهتمام بالزراعة وتربية المواشي، لكن مشاهد السيارات المرقمة بالخارج التي تقطع طرقاتها بشكل لافت، والمنازل العصرية التي تم تشييدها، وبعض المعاملات التجارية التي تتم داخل محلاتها بالعملات الأجنبية، تعبر بوضوح عن مدينة مغربية بقشرة أوربية، لا تبدل مجهودا لإخفاء آثار أزمة دخلت بيوت أهلها دون استئذان.
عالقون هنا وهناك..
تأجلت العودة إلى ما بعد الصيف، ثم ما بعد رمضان، والأكيد حتى بعد رأس السنة الميلادية لن يعود، كلمات عفوية من “سارة” طفلة ذات 14  ربيعا، لدى حديثها عن عودة والدها من إيطاليا. حال “سارة” ليس بأفضل حال من العشرات من الأطفال الذين ينتظرون بشغف، عودة “البابا” من ديار الهجرة، عودة اختلطت مواعدها واضطربت بعد أن كانت في السنوات الماضية تسير بشكل سلس ومنظم.
بأحد مقاهي البروج، تتناثر طاولات أغلب الجالسين حولها مهاجرون بالديار الأوربية، والموضوع الرئيسي لسجالاتهم التي ترتفع حدتها في أغلب الأحيان، الأزمة بأوربا وتبعاتها عليهم وعلى عائلاتهم، بدردشة خفيفة مع نادل المقهى نكتشف بأن جلهم كانوا يشتغلون بإيطاليا وإسبانيا، لكنهم اليوم استقروا بشكل مؤقت بالمغرب في انتظار انفراج الأجواء بالخارج من أجل العودة.
ركود وبحث عن مهن بديلة..
على بعد أمتار قليلة من المقهى، يوجد سوق “أحد البروج الأسبوعي”. ليس خافيا بأن السوق يتمتع بصيت وطني ودولي كبير، ويحج إليه مواطنون وتجار من كافة الأنحاء، بحثا عن سيارة أو آلة أو حتى خردة. يعرف “سوق الأحد” بأنه مكان للتجارة في منتوجات “الطاليان والصبليون”، ويحتل فضاء السيارات المستعملة حيزا كبيرا داخله. على مستوى العرض يبدو السوق ممتلئا عن آخره، وتشكيلة العرض داخله تتنوع بين سيارات فارهة من أحدث الموديلات، وأخرى اقتصادية. العرض يبدوا كبيرا ويوحي بأن هناك رواجا كبيرا بالسوق، الأمر الذي ينفيه “لحسن” أحد وسطاء السيارات داخل السوق، بالنسبة إليه “الوقت راكدة وحركة التجارة عيانة”. حين استفسرته “الصباح” عن الأسباب وهل للأمر علاقة “بضعف القدرة الشرائية للمغاربة” ينفي الأمر جملة وتفصيلا، بالنسبة إلى “لحسن” بوادر الأزمة انطلقت مع إصدار الحكومة قرارا بمنع تعشير السيارات التي تتجاوز مدة صنعها خمس سنوات، ويضيف “لحسن” أن القرار سالف الذكر ساهم في الركود الذي شهده القطاع، والذي انعكس على باقي المجالات باعتبار الدور الهام الذي يشكله قطاع تجارة السيارات المستعملة المستوردة من الخارج على الحركة الاقتصادية بالمنطقة. واعتبر “لحسن”  وهو مهاجر سابق بإيطاليا، بإن جل المعاملات التجارية داخل سوق السيارات المستعملة بالبروج تتم اليوم بين المهاجرين نظرا لانتفاء مشكل التعشير، وتبقى السيارات الجديدة، وبالأخص الفارهة قليلة وغالبا ما يختار أصحابها نقلها إلى أسواق بالرباط أو الدار البيضاء لسهولة إيجاد المشتري.
عدد كبير من أبناء منطقة بني مسكين كانوا يشتغلون في هذا القطاع، ومع الوضع الحالي وجدوا أنفسهم بدون عمل، خصوصا أن ما يربطهم بالديار الأوربية ليس أكثر من وثيقة دخول وخروج عبر الحدود، ولم يستطيعوا يوما ولوج سوق الشغل بها لأسباب مختلفة.
“سلعة الطاليان والصبليون” كانت تشكل العلامة الفارقة داخل مدينة البروج والنواحي، بل إن العديد من المهاجرين كانوا لا يكتفون بالسوق الأسبوعي، ويكترون محلات بسطات وخريبكة والبيضاء لتصريف بضاعتهم. تتعدد المنتوجات المعروضة من الأدوات المنزلية الثقيلة وأجهزة الحاسوب والطابعات الى الإبر والملاعق وشوكات الأكل والملابس المستعملة. موجة الركود مست أيضا هذه التجارة وألحقت مهاجرين جددا بطابور ضحايا “الأزمة”.
  العودة إلى الوطن
“سي علي” رجل في عقده الخامس، يتكئ بخمول على سيارة من الحجم الكبير ويراقب “فراشة” تحتل حوالي 8 أمتار من الرصيف، تتعدد معروضاته من أدوات منزلية ودمى أطفال وصحون طينية، بالنسبة إليه فإن ما يقوم به فقط كسر للروتين ومحاولة لمجابهة بعض مصاريف الحياة، يخبرنا “سي علي” بأنه اتخذ قرارا لم يندم عليه بنقل عائلته المشكلة من زوجته و 4 أطفال من إسبانيا إلى المغرب، وظل طيلة ثلاث سنوات الماضية يحمل على عاتقه عبء الانتقال وحيدا إلى إسبانيا من أجل جلب بعض البضائع، وبيعها بمختلف الأسواق بمساعدة أكبر أبنائه. يعتبر “سي علي ” أن  المستهلك المغربي لم يعد اليوم في حاجة إلى هذه السلع، نظرا لأنها تباع بوفرة في السوق المحلي وبأثمنة أرخص، هي مسألة “بطالة مقنعة” على حد قوله، وحيرة قاتلة بأسئلة مدمية، فلا العمل بإسبانيا وجد له سبيلا و لا التجارة في المغرب عادت مجدية.  
جلب قطع غيار السيارات والمحركات المستعملة، تجارة أخرى كان يشتهر بها مهاجرو المنطقة بدأت هي الأخرى في التراجع، والسبب الرئيسي دخول قانون يقنن عملية إدخال السلع من الخارج، وفرض مجموعة من الشروط الصارمة من أجل ذلك.

عائدون صنعوا الاستثناء..
فئة من المهاجرين اختارت عن قناعة العودة والاستقرار، بعد أن أنهكتها ظروف الغربة والعيش خارج مسقط رأسها، لكن ما يميزها عن غيرها قدرتها المالية على الاستثمار داخل المنطقة، مجموعة منهم اختارت فتح مقاه عصرية بالبروج وسطات، وآخرون حولوا نشاطهم إلى العقار عن طريق شراء أراضي  وإعدادها شققا لإعادة بيعها.
بإحدى المؤسسات العمومية بالبروج التقينا “حافظ البيضي”، وهو شاب مغربي يحمل دبلوما في الإعلاميات، هاجر منذ سنوات إلى إسبانيا، لكنه اختار العودة سريعا.  يعتبر “حافظ” أنه لا شيء يرغم شبابا طموحا على إيقاف عقارب الساعة وانتظار الذي قد يأتي أو لا يأتي من أزمة اقتصادية طال أمدها بالمهجر، مؤكدا أن “الإرادة والعمل الجاد هي السبيل لتحقيق الطموحات في أي مكان، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نختبئ وراء حلم يعلم الجميع أنه تحول إلى سراب، دون نيل شرف محاولة تطويع الواقع واختراق الصعوبات داخل المغرب من أجل تحقيق الأحلام”. يعتبر حافظ أن “عملية صفاء ذهني بالأساس تتوج بالقبض على السؤال الحارق ما العمل؟ و لن يحتاج الإنسان وقتا طويلا كي يكتشف الجواب بأن عامل الوقت أثمن من أن نهدره في الانتظار”.
لم تطل لحظات الحيرة لدى الشاب “حافظ” عند عودته، ولم يستسلم للجمل الجاهزة، والتعليقات الساخرة، واجتاز بتفوق إحدى مباريات الوظيفة العمومية، وعين بمسقط رأسه، لتظل سنوات الهجرة والبحث عن الفردوس الأوربي مجرد ذكرى تنتزع منه الابتسامة الساخرة كلما زارت مشاهدها مخيلته.  
مهاجرون ينظرون بعيون الريبة لمبادرات الحكومة

لم يخف مهاجرون تبرمهم من تعاطي الحكومة مع أوضاعهم المزرية، فهم يعتقدون بأن الدور الاقتصادي والسياسي والثقافي الذي لعبوه عقودا داخل دول الاستقبال، لم يشفع لهم لدى الحكومة من أجل سن إجراءات تحفيزية لهم تساندهم وتقودهم لتجاوز الأزمة الحالية، العديد من المهاجرين ممن التقتهم “الصباح” استغربوا اتخاد المديرية العامة للجمارك والضرائب غير المباشرة، قرارا يهم دخول صنف معين من السيارات المحملة بالسلع والمقتنيات إلى الأراضي المغربية ومنعها من اجتياز حدود المملكة في هذا الوقت بالذات، إذ أنها لن تحصل على التصاريح ter 16 d , bis 16 d, وذلك تطبيقا لمقتضيات قانون المالية للسنة الماضية. ويأتي هذا القرار بناء على التعديلات التي أدخلها قانون المالية على بعض مقتضيات مدونة الجمارك، خاصة الفصلين 145 و146، القرار يقضي بإلغاء استفادة البضائع ذات الطابع التجاري التي يدخلها المغاربة المقيمون بالخارج والسياح من نظام القبول المؤقت.

لكن هذا القرار خلف موجة سخط عارمة في أوساط المهاجرين، لأن ندرة فرص العمل هي التي دفعت العديد من المغاربة إلى البحث عن مصدر للرزق من خلال امتهان التجارة في السلع المستعملة، وهو ما يزكيه التزايد الكبير في عدد السيارات من الحجم الكبير المخصصة للسلع، والتي تنقل بضائع جديدة ومستعملة، من أجل عرضها وبيعها بالأسواق المغربية في إطار نوع من التجارة الموسمية، تحولت إلى قارة خلال السنوات الاخيرة، كانت غالبا ما تذهب مداخيلها لتغطية تكلفة العطلة الصيفية لهؤلاء المهاجرين وتنقلاتهم وأفراد عائلاتهم، لكنها في الآونة الأخيرة أصبحت تشكل مورد رزق وحيد لديهم.
  المنتقدون للقرار الجديد للحكومة أكدوا على أن توقيته ومقتضياته لم يراع جملة من  العوامل، بل وضربت بعرض الحائط كافة مبادرات ممثلي الجالية الرامية إلى التجاوب مع مطالبها وتطلعات أفرادها، حيث لن تزيد هذه الإجراءات القانونية إلا تأزيم أوضاعهم الاقتصادية.
رحى الأزمة لا تزال تدور..
يبدو أن رحى الأزمة لا تزال تدور بإيقاع مجنون، وترخي بظلالها على وجود الجالية المغربية في الأراضي الإسبانية، إذ أن أرقام رسمية سجلت انخفاضا لأعدادها  بـ6% في أعدادها ما بين 2013 و 2014.
نسبة الانخفاض هاته، تأتي بعد اختيار المغاربة لترك الديار الإسبانية، وعودة معظمهم إلى أرض الوطن. حيث سجلت السلطات الإسبانية في فاتح يناير من السنة الماضية وجود ما يناهز 715 ألف مغربي على أراضيها، مع تسجيل انخفاض أعدادهم بـ6 في المائة مقارنة  مع الفترة نفسها من 2013 التي كان يصل أعداد المغاربة في إسبانيا خلالها إلى 759 ألفا، ما يعني أن أكثر من 45 ألف مغربي اختاروا ترك إسبانيا السنة الماضية.
وحسب أرقام المؤسسة الوطنية الإسبانية للإحصاء، فإن ما يناهز 80 في المائة من المهاجرين المغاربة الذين اختاروا ترك الأراضي الأوربية عادوا إلى المغرب، فيما اختارت البقية التوجه نحو بلدان أوربية أخرى مثل بلجيكا وفرنسا وألمانيا.
ولم توضح المؤسسة الإسبانية أسباب هذه الهجرة المعاكسة، إلا أن الإحصائيات توضح جليا أن البطالة تبقى السبب الأكبر، حيث أشارت إحصائيات 2013 إلى أن أكثر من 60 في المائة من أعضاء الجالية المغربية في إسبانيا يعانون البطالة.

هشام الأزهري (سطات)
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى