fbpx
ملف عـــــــدالة

البراءة والتعويض عن الاعتقال في القانون المغربي والمقارن

عبد المجيد خشيــع
يجب تغيير القانون حتى يسمـح بتعويض كل معتقل قضت المحكمة ببراءته

الحكم بالبـراءة إحقـاق للعدالـة الـقضائيـة، في مـواجهـة الاتهـام كيفـما كـان نـوعه، سـواء صـدر مباشـرة عـن الـنيابـة العامـة أو قـاضي التحقـيق أو عـن طريـق الـشكايـة الـمباشرة.
لكـن يختلـف الحكـم من ملـف الـى آخـر، أو بالأحـرى مـن متـابعـة في حالـة اعـتقـال أو متـابعة في حالـة سـراح، مـع ملاحظـة

أن الوضعـية الأولـى تـكون أكـثر قـسوة مـن الـثانية.
ذلـك أن المتـابعة الـتي تسطـرهـا الـنيابـة العـامة فـي إطـار سلـطة المـلاءمة إشـارة مـرور للـقضيـة من هيأة الاتهـام الـى محاكـم الحكـم.
ومن المؤكـد أن الـنيابـة العـامة تـفقـد ولايـتها عـلى المتابعـة بمجـرد ما تـضع المحكمة يـدهـا عـلى الـنازلـة، ويصبـح مـن العسيـر القـول بأمكانيـة الـتـنازل عـن المتـابعة أو حفـظ الملـف بعـدما أصبـح بيـن يـدي الـمحكمة ومـا مـن شـك أن وجـدان المحقـق وإحساسـه هـو المعـول عـليـه في الحبـس الاحتيـاطي وتمـديـد مـدده مهما كـان موقـف التـشريـع المغـربي، فالـقانون يفـترض فيـه حمايـة الحريـة الفـردية وتفـادي أن يعـرض الشخـص الـبريء لـوسـائـل الإكـراه، لكـن الـقانـون مع ذلـك مـن وجهـة أخـرى مـوازيـة يـرى بـأنه هـو الضامـن لـمصالـح الـمجتـمع ويحقـق الـزجـر.
كتب الفقيه Faustin Helie صفحـات طـوال في موضوع الاعتقال الاحتيـاطي، إذ وجـد فـيه عـدة مشرعـين ضـالـتهم ، وقـال هـذا الـفقيـه مايـلي: “إن الاعتـقـال الاحـتياطي يـتسبـب للمعتـقـل فـي صدمـة عـنيفـة، يـقـذفـه بالريـبة وعـدم الـثـقة، يـمسه فـي شخصـه وعـائلـته، يعـرضه للخطـر وسائـل دفـاعـه ويخلـق بيـنه وبيـن المتهـم المـفـرج عـنه عـدم الـمساواة، انه يـتسبـب لـه في كـلـمة واحـدة وباخـتصار في ضـرر غـير معـوض.
إن الأصـل في الحـبس هـو عـقوبـة، والعـقـوبة لا تـطبـق فـي شخـص مـا إلا بعـد تـمكيـنه مـن المحـاكمـة والـدفـاع “.
وإذا كـان الاعـتقـال الاحـتياطي يعتـبر وسيلـة لضمان سيـر الـتحقـيـق حيـث يـوضع المتهـم رهـن إشـارة المحقـق ويمـنعه مـن إخـفـاء مـادة الجـريمـة ومحـو معـالمها وآثـارها، فـإنـه فـي حالـة عـرضه عـلى الـقضاء يـبقـى محـاكما وهـو فـي حالـة اعتـقـال الـى غـايـة الـبت في ملـفـه والـتهمـة الـموجة إلـيـه، وقـد يستـمر ذلـك سنـوات.
وإذا كـان بعـض الـفقـه يـرى أنـه لـيس مـن العـدالـة إطـلاق سراح مجـرم ومتابعـته فـي حالـة سـراح حـفاظا عـلى الأمـن والاستقـرار فـإن البعـض الآخـر يـرى أن ليـس مـن القـانون اعـتقـال شخص بـريء الـى أن تثبـت إدانـته وتتعـيـن محـاكمتـه فـي حـالـة سـراح.
وهـذا مـا جعـل المشـرع المغـربي يتـدخـل لـيضع حـلا وسطـا وهـو المراقـبة الـقضائـية، خـاصة فـي بعـض الجرائـم الـتي مـن حيث طبيعـتها وإنجـاز المحاضر بشأنها يجعـل مـن العسيـر المتـابعـة فـي حـالـة اعـتـقـال.
والسـؤال الـذي يطرح  بعد الاجراءات الـمسطريـة الـطويـلـة، وصدور حكم أو قرار بالبراءة (أوعدم المتابعة إذا كنا أمام قاضي التحقيق) هـل هـناك مجال لأن يطالـب المتهـم بالـتعويـض لسبـب الاعـتـقـال الاحتيـاطي.
بالنسبـة إلى الـقانون الفـرنسي ، المبـدأ قـبل صـدور قـانون 17 يوليـوز 1970 لـم يكـن للمتـهم الـذي صـدر فـي حقـه أمر بعـدم الـمتابعـة أو البراءة أو المـدان بالغرامة فقـط أو بعـقـوبـة حـبسيـة تـقـل عـن المـدة الـتي قضاهـا فعـلـيا بالسجـن لا يـتأتى لـه عملـيا أن يستحـق أي تعويـض رغـم الضـرر الـذي نـالـه مـن هـذا الاعـتقـال، وقـد عـرف هـذا الوضـع بعـض التعـديـل بمـوجـب قـانون 17 يولـيوز 1970 الـذي خصص أربعـ مـواد جـديـدة تـتمثـل فـي المواد 149 و 149/1 و149/2 و150 مـن قـانون المسطـرة الجـنائيـة للتعويـض بسـبب الاعـتقـال الاحـتياطي، وهـذه المقـتضيـات أدت الى نقـاش كبيـر بالبرلـمان الـفرنسي كمـا اعتبـر تـطبيقـها فـي فـرنـسا ضئيـلا جدا، مع الأخـذ بعيـن الاعـتـبار الـتعـديـلات الـذي أدخـلـت عـلى الـمسطـرة الجـنائـية الـفرنـسية.
ويـشتـرط فـي الـقانون الفـرنسي مـن أجـل الـتعويـض شرطـان:
الأول يقـتضى بـأن تـنـتهـي الـمسطـرة فـي حـق المعـتـقـل الاحتـياطي بقـرار عـدم المتابعـة أو الـبراءة يـكسب الصبغـة النهائية.
والثـاني أن يتسبـب الاعـتقـال لطالـب التعـويـض فـي ضـرر ذي خطـورة خـاصة وبشكـل غـير عـاد،  كمـا أن الاخـتصاص للـبت في التعـويـض يـنيطه الـقانـون الـفرنسي بلجـنة قـضائـية مشكـلـة مـن ثـلاثـة قـضاة مـن محكمـة الـنقـض يعـينـون مـن لـدن مكـتب هـذه الاخيـرة بينـما مهـام الـنيابـة العـامة يمـارسها ممـثـل الـنيابـة العـامة بمحكمة الـنقض.
وتـتحمـل الـدولـة الـتعويـض عـند الحكم، ولـلإشارة فقـط مـن مجمـوع 54 طلبـا لـم يتـم قـبول إلا 14 شهـادة ومـن بيـن 220 شكايـة تـم تـقـديـمها فـي 1977/12/19 تم رفـض 102 وقـبـول فقـط 2 مـنها والـباقي ظـل تحـت الـدراسـة.
لقـد أحـدث المـشرع المغـربي فـي قـانون المسطـرة الجـنايـة آلـيات جـديـدة كـثيـرا مـا طالـبت بهـا الهـيآت الحـقـوقيـة وهـي المراقـبة الـقضائيـة الـمنصوص عـليهـا فـي المـادة 161 ق.م.ج والمحـددة في 18 تـدبيـرا أو الـتزاما، يـبقى فقـط عـلى الـقضاء تـفعـيلـها، أولا للحفـاظ عـلى حـريـة الأشخـاص خـاصة فـي جرائـم معيـنة يـظهـر أن الاعـتقـال فـيها غـير ضـروري ، وثـانيـا للـتخفـيف عـلى المـركـبات السجـنية مـن الاكـتـظاظ غـير المجـدى، خاصة إذا عـلمنا أنـه تصدر أحكـام وقـرارات إما بعـدم المتـابعة أو الـبراءة في العـديـد مـن الملـفات المعروضة عـلى الـقضـاء (سـواء قـضاء الموضوع أو الـتحقـيق).
وأن قـانون المسطـرة الجـنائية الحـالي لا يسمـح فـي نظـرنـا بـأي تعويـض للمعـتقـل الاحـتياطي، كـل مـا في الأمـر أن الـمشرع رتـب جـزاءات عنـد انتهـاء بعض المقـتضيات الـقانونية الخاصة بالاعتـقـال منها المادة 147 و148 ق.م.ج، والمـادة الأخـيرة بالخـصوص تعـتـبـر أن كـل مـتهـم ألقـي عـليه الـقبـض بـناء عـلى أمـر بالإحضار واحـتفـظ بـه فـي المـؤسسة السجنيـة أكـثـر مـن 24 سـاعـة دون أن يستـنطـق، يعـتبـر معـتـقـلا اعـتقـالا تعـسفـيا، وكـل قـاض أو موظـف أمـر بإبقـاء المتهـم في السجـن، أوسمـح بإبـقـائه فيه عـن قصد يتعرض للعـقوبات المقررة للـزجر عن الاعتـقال الـتعسفي.
ويـبقـى فـي الأخيـر الطلـب ملحـا عـلى إدخـال تغيـر عـلى قـانون المسطـرة الجـنائية حـتى يسمـح بالـتعـويض لكـل مـتهم صرحـت الـمحكمة أو قـاضي الـتحقـيـق بالـبراءة أو عـدم المتـابعة كـل حسـب اخـتصاصاتـه، عـن الـفـتـرة الـتي قـضاهـا رهـن الاعتـقـال الاحتياطي دون وجـه حق، وما أكثـر المـآسـي الاقـتصاديـة والاجتماعـية والـنفسيـة الناتجـة عـن هـذه الاعتقـالات غـير المبـررة.

عبد المجيد خشيـع: محـام بهـيأة البيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى