fbpx
ملف عـــــــدالة

مسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي إلى أي مدى؟

آن الأوان أن يتدخل المشرع للتعويض عن أعمال السلطة القضائية بعد اتساع دائرة المسؤولية

الحرية أنفس وأغلى ما يملكه الإنسان وحتى غير الإنسان، لذلك تَغَنَّى بها الشعراء، وتناولتها بالتمجيد أقلام المفكرين والفلاسفة، وتصدرت صدارة المواثيق الدولية، وكانت من الهموم التي تسكن مناضلي حقوق الإنسان، ودُبّجت بها برامج الأحزاب السياسية، وجسدتها التشريعات الداخلية في مبدأ «قرينة البراءة»، كما هو الحال بالنسبة إلى قانون المسطرة الجنائية

المغربي في مادته الأولى، إذ اعتبرها هذا القانون إكليلا لمقتضياته، وتبجيلا لها سمي هذا القانون ب « قانون الأبرياء» أو «قانون الحريات»، كما ارتقى المجلس الدستوري بهذا المبدأ وأضفى عليه قيمة دستورية (قرار عدد 780/2009 بتاريخ 18 يوليو 2009).
ونظرا لما للحرية من قيمة لا تقاس بثمن، ثارت الشعوب منذ الأزل إلى وقتنا الحاضر، وتمرَّدت على كبح الحريات، وخنق الأنفاس، وبُذلت التضحيات الجسام، واستجاب القدر، وكُسرت القيود، وانجلى الليل، والكل من أجل عيش كريم يتمثل أساسا في الحرية.

إذا كانت للحرية كل هذه القيمة، فما هو موقف التشريع والقضاء والفقه بخصوص الاعتقال الاحتياطي – هذا التدبير الاستثنائي- الذي يسلب الحرية من الإنسان بصفة مؤقتة، إلى أن يقول القضاء كلمته في هذا الاعتقال الذي قد يكون ظالما، أو يتسم بالتعسف أو التهور، أو عدم الاكتراث بحرية الإنسان، أو الاستخفاف بالقوانين، وقد ينتج من كل ذلك تدمير الإنسان، أو تمزيق أوصال العائلة،وتشريد الأبناء، وقد يخلف أمراضا نفسية أو يؤدي إلى الانتحار أو يخلق صورا مشوهة في المجتمع؟
نظم المشرع المغربي نظام الاعتقال الاحتياطي وسيجه بجملة من القيود للتخفيف من آثاره السلبية والتقليص من الأضرار التي قد تلحق بالمعتقل تحت هذا النظام، وأضفى عليه حماية قضائية، كما أن السياسة الجنائية للمملكة تسير في الاتجاه نفسه، ووزارة العدل هي الأخرى ما فتئت تعمل على ترشيد هذا النظام حتى لا تظل السجون مكتظة بالمعتقلين احتياطيا.
إلا أنه رغم هذا السياج من القيود فان مقتضيات الاعتقال الاحتياطي قد يُسَاء إعمالها من طرف الجهات التي تأمر به، فيودع الفرد رهن الاعتقال الاحتياطي لمدة زمنية قد تستغرق شهورا، ثم في الأخير يحكم ببراءته، إلا أن الآثار السلبية للاعتقال الاحتياطي تبقى لصيقة بالشخص لمدة قد تطول وقد لا تزول مع مرور الأيام، كما أن الحكم بالبراءة ليس كافيا لإصلاح وجبر الأضرار المادية والمعنوية التي أصابت البريء ، مما يجعل السؤال حول التعويض جديرا بالاعتبار.
ولما كانت المرجعية الأساسية للتشريع المغربي هي التشريع الفرنسي ، فإن هذا الأخير أصدر قانون 8 يونيو 1895 على اثر أحداث قضية  «Dreyfus”، التي أحدثت زلزالا قويا في المجتمع الفرنسي ، ثم توالت القضايا التي بت فيها القضاء الفرنسي في اتجاه مسؤولية الدولة عن خطأ قضاتها ، وهي حالات أدين فيها أبرياء، وبرئ منها وأخلي فيها سبيل الجناة، وكمثال على ذلك القرار الصادر عن القضاء الإداري في القضية المشهورة Jean Marie Deveaux الذي أدين فيها بريء سنة 1963 وحكم عليه بالسجن لمدة 20 سنة لاتهامه بقتل ابنة مشغله، وقد برئت ساحته سنة 1969 لظهور الجاني الحقيقي، وكذلك القرار الصادر في قضية Roland Agret التي أدين فيها شخص سنة 1973 وبرئ سنة 1985.
ثم بعد ذلك اهتدى المشرع الفرنسي إلى تقرير مسؤولية الدولة بمقتضى قانون 17 يوليوز 1970، وتبقى مسؤولية الدولة لها أساس قانوني آخر وهو الفقرة الخامسة من المادة الخامسة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. والحق في التعويض عن الضرر الحاصل من جراء الاعتقال الاحتياطي حسب هذه الاتفاقية حق واجب، ثم اخذ المشرع الفرنسي يتطور نحو الأحسن فخفف من الشروط التي وضعها قانون 1970، إذ صدر قانون آخر بتاريخ 5 يوليو 1972 الذي أدخل تعديلا على التنظيم القضائي الفرنسي وأجاز مسؤولية الدولة بتعويض الأضرار الناشئة عن الأداء المعيب لمرفق القضاء لكن في حالتين اثنتين فقط: هما الخطأ الجسيم وإنكار العدالة، وأخيرا صدر قانون 20 دجنبر 1996 الذي لم يعد يشترط أن يكون الضرر بالغا أو جسيما بدرجة غير عادية، كما كان عليه الحال في قانون 1970.
أما في التشريع المصري فان القاعدة هي أن الدولة غير مسؤولة عن أخطاء القضاء إلا بصفة استثنائية، وفي الحالات الواردة حصرا (إعادة النظر ومخاصمة القضاة)، وقد انتقد الفقه المصري هذا الاتجاه لكونه يجافي العدالة ويسير في الاتجاه المعاكس لفكرة الدولة الديمقراطية، كما أن محكمة النقض المصرية والقضاء الإداري يسيران في مسار عدم مسؤولية الدولة عن أخطاء قضاتها في الاعتقال الاحتياطي، وأساس ذلك هو التفرقة بين الأعمال ذات الطبيعة الإدارية والأخرى ذات الطبيعة القضائية، فتُسأَل الدولة عن الأولى دون أن تُسأَل عن الثانية، إلا أن أغلب  الفقه المصري ما زال مصرا على ضرورة تقرير مسؤولية الدولة عن الأضرار الناشئة عن الاعتقال الاحتياطي لأن أساس هذه المسؤولية، في نظر هذا الفقه، هو مبادئ العدالة والبر الاجتماعي بالمحكوم لفائدته بالبراءة.
وفي المملكة عندنا فإن الوضع بعيد عما هو عليه الحال في فرنسا، وقريب من الوضع في جمهورية مصر العربية، مما يعني أن المشرع المغربي لم ينص على تقرير مسؤولية الدولة بالتعويض عن الأضرار الناتجة عن الاعتقال الاحتياطي، لأن الأمر بالاعتقال الاحتياطي عمل قضائي تقوم به النيابة العامة أو قاضي التحقيق، وليس من الأعمال الإدارية التي يمكن أن تكون موضوع دعوى الإلغاء أو دعوى التعويض.
ويجدر الذكر بأن المشرع المغربي رتب مسؤولية الدولة عن عمل قضاتها في حالتين اثنتين:
الأولى: هي الحالة التي يمكن ان يُلجأَ فيها إلى دعوى مخاصمة القضاة المنصوص عليها في الفصل 391 من قانون المسطرة المدنية كادعاء ارتكاب تدليس أو غش أو غدر من طرف قاضي الحكم أثناء تهيئ القضية أو الحكم فيها أو من طرف قاضي النيابة العامة أثناء قيامه بمهامه أو إذا قضى نص تشريعي بمسؤولية القضاة يُستحق عنها تعويض، أو عند وجود إنكار العدالة.
وتأسيسا على مقتضيات الفصل 391 من م م فان أعضاء النيابة العامة يمكن مساءلتهم عن الاعتقال الاحتياطي الذي يأمرون به شريطة ان يكون مقرونا بالتدليس أو الغش أو الغدر، بمعنى أنه في غير هذه الظروف لا يمكن مخاصمة أعضاء النيابة العامة أو مساءلتهم حتى ولو ارتكبوا خطأ في القانون أو اتسم عملهم بالتعسف أو التهور أدى إلى إيداع شخص رهن الاعتقال احتياطيا بدون وجه حق.
وتجدر الإشارة إلى أنه طبقا للفصل 400 من ق.م.م، فإن الدولة تكون مسؤولة مدنيا، فيما يخص الأحكام بالتعويضات الصادرة بالنسبة للأعمال التي ترتبت عنها دعوى المخاصمة مع إمكانية رجوعها على هؤلاء القضاة الذين كانوا موضوع مخاصمة. هذا، فإن بعض المحاكم الإدارية في المملكة، قد رتبت مسؤولية الدولة عن الاعتقال من أجل الإكراه البدني عن دين ضريبي والحال أن المكره غير معني بالضريبة المطلوب استخلاصها، لكن أساس هذه المسؤولية ليس هو خطأ عضو النيابة العامة، بل الخطأ هنا خطأ مرفقي لقباضة إدارة الضرائب التي أكرهته مدنيا على أداء دين ضريبي غير مستحق، ويكون أساس المسؤولية هو الفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود، كما اقر ذلك المجلس الأعلى والقضاء الإداري، (الغرفة الإدارية قرار عدد 1058 بتاريخ 2006-12-13 ،المحكمة الإدارية بفاس حكم عدد 622 بتاريخ 2000/10/3).
كما أن المجلس الأعلى استبعد تكييف مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية بمقتضيات الفصل 79 من ق.ل.ع، وقال إن المسؤولية المترتبة عن الأضرار الناجمة عن الأعمال القضائية تنظمها مقتضيات الفصل 391 من ق. م. م (قرار المجلس الأعلى عدد 101 الصادر بتاريخ 1972/5/24 وقرار 71/1972).
أما الحالة الثانية التي تكون فيها الدولة مسؤولية عن أحكام محاكمها، فهي الحالة التي نظمتها مقتضيات “مراجعة الأحكام” الواردة في قانون المسطرة الجنائية، إذ نصت المادة 573 من هذا القانون على أنه “يمكن استنادا إلى المقرر الجديد المترتبة عنه براءة المحكوم عليه، وبناء على طلبه الحكم له بتعويض عن الضرر الذي لحقه بسبب الإدانة” وفي هذا الإطار صدر حكم هام من المحكمة الإدارية بالدار البيضاء بتاريخ 2006-6-5 تحت عدد 632 في الملف عدد 76/2006 الذي قضى بمنح تعويض للمحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية مدى الحياة  قُضي بها من محكمة الاستئناف بالجديدة من أجل جناية القتل العمد، قضى المحكوم عليه من أجل ذلك عشر سنوات ثم عُرف أثناء تنفيذه للعقوبة الجاني الحقيقي الذي أدين بعقوبة الإعدام، وبفضل دعوى المراجعة ألغى المجلس الأعلى قرار الإدانة الأول وحكم بالبراءة على من كان محكوما بالسجن المؤبد، وهذا الأخير تقدم بطلب ضد الدولة المغربية كمسؤولة عن الخطأ القضائي وهو موضوع الملف الذي بتت فيه المحكمة الإدارية بتحميل الدولة  المسؤولية عن أعمال السلطة القضائية وقد أسست هذه المحكمة حكمها هذا على حيثيات جديرة بالقراءة.
وصفوة القول، إن الوضع عندنا على مستوى التشريع والقضاء، هو عدم مسؤولية الدولة عن أخطاء القضاء كقاعدة عامة، وأقر المشرع مسؤوليتها في حالات استثنائية ضيقة، وهو ما أكدته المحكمة الإدارية بالدار البيضاء في الملف عدد 1396/2004 حينما قالت المحكمة ” ثبوت أن الأمر بالاعتقال صادر عن قاضي التحقيق بصفته سلطة قضائية لا يرتب مسؤولية الدولة”.
ويبرر مؤيدو هذا الرأي بان أساس عدم مسؤولية الدولة يأتي من احترام مبدأ حجية الأحكام وقوة الشيء المقضي به، كما أن العمل القضائي في منأى عن أي مراقبة إلا عن طريق الطعون التي نظمها المشرع على خلاف العمل الإداري الذي يمكن أن يكون مراقبا من القضاء الإداري طبقا للقانون رقم 41.90 بشأن إحداث المحاكم الإدارية .
وهكذا فإن النيابة العامة التي تتخذ قرارا لا يدخل ضمن سلطتها القضائية كأن تحجز ملف التنفيذ  وتعرقل عملية التنفيذ فأن مثل هذا العمل يخضع لمراقبة القضاء الإداري لأن لا صلة له بالوظيفة القضائية للنيابة العامة، الشيء نفسه ينسحب على قاضي التحقيق الذي يتخذ أوامر خارجة عن سلطاته القضائية.
إذا كان هذا هو الوضع في التشريع والقضاء، فان الفقه، على نُدْرته، ينتصر للرأي المضاد وينادي بمسؤولية  الدولة عن أخطاء قضاتها.
ومن جهتنا فإننا نرى أن المبادئ السامية للعدالة، وقيم حقوق الإنسان، والمثل العليا، وأسس الديمقراطية، كل هذه الاعتبارات وغيرها تجعلنا نناشد المشرع بأن يتدخل لتقرير مسؤولية الدولة عن أخطاء القضاة ولو ببعض القيود وببعض الشروط.
حقا لقد آن الأوان أن يتدخل المشرع للتعويض عن أعمال السلطة القضائية، بعد ان  اتسعت دائرة المسؤولية وأصبحت تمتد إلى السلطة التشريعية بخصوص القوانين الصادرة عنها والتي تتسم بعدم دستوريتها، إذ يمكن إلغاؤها من طرف المجلس الدستوري.
وحتى يزيد من قناعتنا  لنصرة الاتجاه السائد في الدول المتقدمة، نستحضر سندا قانونيا قويا ويتعلق الأمر بالمادة 9/5 من الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية التي صادق عليها المغرب ونشرت بالجريدة الرسمية وتكون بذلك جزءا من تشريعنا وواجبة التطبيق طبقا لاتفاقية فيينا (اتفاقية الاتفاقيات) المؤرخة في 23 ماي 1969 التي تجعل الاتفاقية المصادق عليها تعلو النصوص القانونية الوطنية.
ونعتقد ان المادة 9/5 من الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية لا تدع مجالا للشك في ضرورة تقرير مسؤولية الدولة عن الأضرار الناجمة عن الاعتقال غير القانوني إذ تنص على انه :”لكل شخص كان ضحية توقيف أو اعتقال غير قانوني حق في الحصول على تعويض”.
والخلاصة أن المغرب في ديباجة دستوره يتعهد بالالتزام باحترام حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها، وفي نظرنا أن الحق في الحرية وفي الحياة وفي الكرامة يأتي في مقدمة هذه الحقوق، كما أن المغرب ما فتئ يفي بالتزاماته الدولية، ونرى ان من بين التزاماته أن يجعل تشريعه الداخلي يستجيب للمواثيق الدولية التي قبلها وصادق عليها بدون تحفظ ،ومنها  العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية .
وفي الأخير فإن القضاء كلما بدا له أن هناك مساسا بمقومات الحق وبدعائم العدل، فانه يأخذ قصب السبق ويقرر قواعد قانونية أملتها متطلبات الحياة وفرضتها ثوابت العدل.
ونستأذن من وصف الصحة ان نقتبس نفس الوصف بالنسبة إلى الحرية ونقول بأن “ الحرية تاج على رؤوس الأبرياء لا يراه إلا السجناء”.

عبد الله درميش: دكتور في الحقوق نقيب هيأة المحامين بالدار البيضاء (سابقا)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى