تجمعات بالبيضاء يحتكر أصحابها تجارة النقل والخبز والماء والحمام تمتلك البيضاء، على الورق، حزاما أخضر لا يقل جمالية عن المدارات المحيطة بمثيلاتها من كبريات المدن العالمية، حول الطريق السيار الجانبي، مساكن قليلة وأشجار كثيرة ليس فيها إلا المشاريع الخضراء: نواد رياضية و منتزهات ومشاتل... كما في ضواحي المدن الأمريكية. لكن الصورة في الواقع على النقيض من ذلك تماما، حقول ألغام من "العشوائي"، تنذر بانفجار وشيك ، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات وبداية سباق التودد إلى سكان دواوير "المزابيين" و"أولاد القاضي" و"التقلية" وغيرها من أورام السكن غير اللائق، التي عادة ما تقلب المعادلات الانتخابية. تسبب التصنيف غير الواضح للمساحات المحيطة بالطريق السيار الجانبي في جعل المنطقة تحت رحمة مساومة المنتخبين وتواطؤ السلطات المحلية، سواء في أطراف جماعة مقاطعة عين الشق الجنوبية، أو في المجال القروي لبلدية بوسكورة التابعة لتراب إقليم النواصر، وذلك إلى حد تهديد النظام العام بتعدد الاحتجاجات، كما وقع قبل أيام عندما احتج سكان دوار "أولاد القاضي" على تردي الأوضاع المعيشية أمام مقر عمالة عين الشق، وقبل ذلك احتج فلاحو الجماعة المذكورة ضد الغموض الذي يكتنف وضعية أراضيهم، التي أصبحت خارج المجال الفلاحي دون الدخل إلى دائرة التمدن، أكثر من ذلك يواجهون بأن الشريط سيتحول إلى حزام أخضر، رغم وجوده بين منطقتين سكنيتين، الأحياء الجنوبية للعاصمة الاقتصادية، ومدينة الخضراء لبوسكورة المبنية أصلا في مجال غابوي.لكن أكثر المشاهد تجسيدا لهذا التناقض ترسمها ممرات دوار "أولاد القاضي"، الواقع في طريق امتداد شارع 2 مارس، والذي يحتكر أصحاب "الصناديق" على حد وصف تجار البناء العشوائي للمنازل غير المقسمة، بيع الخدمات الاجتماعية فيه بما في ذلك الحمام والفران وأشياء أخرى.ممنوع دخول الخبز لغة الاحتكار هي السائدة عند أصحاب هذه المشاريع الذي تدر مداخيل كبيرة ومتنوعة، بما في ذلك المواد الغذائية، إذ لا يمكن فتح محل للبقالة مثلا إلا بإذن أصحاب الأرض، ولا حاجة إلى رخصة من السلطات المعنية مادام أن الأمر يتعلق بتجمع سكاني لا وجود له بالخرائط الرسمية.ووصل الأمر إلى حد إعلان الحرب على الفلاحين المجاورين، لا لشيء سوى لأنهم جلبوا الخبز يبيعونه داخل أسوار المخيم، قبل أن يتضح للسكان أن صاحب الفرن التقليدي، الذي يهدد حياتهم في كل لحظة بالنظر إلى عدد قنينات الغاز المستعملة في غياب أدى شروط الوقاية، اشترى مع البقعة حق احتكار تجارة الخبز. وتطورت حرب الخبز إلى حد تطلب تدخل عامل النواصر للوساطة بين الجماعة وبعض الفلاحين من أصحاب الأفران التقليدية، إثر استصدار الرئيس أوامر بإغلاق مصدر رزقهم بذريعة البناء العشوائي، لفسح المجال أمام مالك حق الاحتكار في منطقة أولاد القاضي، حسب إفادات المتضررين الذين يتهمون القرار المذكور بالكيل بمكيالين، على اعتبار أنه استثنى الأفران الواقعة داخل "المخيم"، لكن تدخل السلطات لم يجد نفعا، رغم جهودها الرامية إلى إيجاد حل توافقي للصراع الذي وصل إلى القضاء الإداري. "معسكر" بمدخل واحدلم يترك الحصار المضروب على التجمع العشوائي لـ"أولاد القاضي" غير منفذ وحيد التواصل مع العالم الخارجي، ذلك أن السور الجانبي المحيط بالطريق السيار أغلق الجبهة الشمالية ولم يعد بالإمكان النظر صوب العاصمة الاقتصادية إلا إذا كنت من سكان الطوابق العليا، التي تصرعلى استقبال ضيوف البيضاء والعابرين بجانبها عبر الطريق السيار الرابط بين تيط مليل والطريق المتوجهة نحو مطار محمد الخامس.لم يعد بالإمكان مغادرة الدوار في بوسكورة مقر البلدية بعدما أعدم مدخل المدينة الخضراء الطريق القديمة التي كانت توصل المنطقة بمركز سيدي مسعود، الأمر التي أشعل فتيل الاحتجاجات سواء في صفوف الفلاحين الذين نزعت ملكية أراضيهم من أجل تجهيز مشروع تجاري لم يتقبلوا أن له صفة المنفعة العامة، أو بين سكان الدواوير الجديدة الذين وجدوا أنفسهم محاصرين من جميع الاتجاهات، ولا سبيل أمامهم لمغادرة الحي إلا من مدخل واحد في اتجاه طريق مديونة. الحمام الكارثة لم يغفل أصحاب هذه المشاريع السكنية العشوائية الأرباح التي يمكن تحقيقها بتوفير خدمة الحمام العمومي، وفكروا في الاحتفاظ بالأموال التي كانت تصرف خارج المعسكر من قبل السكان الراغبين في الاستحمام بالأحياء الجنوبية للبيضاء، إذ كان عليهم التنقل إلى محيط شارع القدس أو إلى أحياء "العمرية" و"الأسرة" و"سباتة".تمكن أصحاب الفكرة من بناء حمام بكل المواصفات المطلوبة من حيث الشكل و الحجم والحرارة، لكن رغم وجود ماء الربط، وماء البئر، بالإضافة إلى العداد الكهربائي من الحجم الصناعي، فإن غياب قنوات الصرف الصحي كرست عشوائية البناء، الذي أغرق الحي في بركة من فضلات المستحمين زادت من سريالية المشهد.ولم يمنع تقريب الاستحمام من السكان من الاحتجاج، خاصة بعد أن تجاوزت بركة المياه المتسربة من أسفل حمام الحي الصفيحي إلى الفضاءات المحيطة به وانتهى بها المقام على جنبات الطريق السيار، وقد تغمر، في أوقات الذروة، الطريق بأكمله لينتهي بها المقام خارج تراب الجماعة، وتزيد من متاعب الدواوير المحسوبة على المدينة دون أن يكون لها الحق في التمدن، على اعتبار أنها توجد في الحزام القروي الذي لا يجب أن تلوثه التجهيزات التحتية. الوساطة في الماء والكهرباء لا يمكن للساكن الجديد أن يحصل على الربط بشبكة الربط الكهربائي إلا بتدخل من أصحاب المكان، وطبعا لن تكون الخدمة مجانية، "في البداية أخذت سلكا من أقرب جيراني مقابل خمسين درهما في الشهر، علي أن استعمله إلا بتشغيل مصباح واحد" تقول زينب التي قضت سنين طويلة تنتظر أن تتمكن من حيازة بقعتها، موضحا أن لكل شيء هناك ثمنه، شراء بقعة الأرض على "الكروكي"، ثم تحديد المكان و تسييجه، وبعد ذلك الشروع في عملية البناء السري.كل مرحلة من تلك المراحل توجب تدخلا خاصا لصاحب الأرض الذي يمكنه أن يمنح الحق في البناء شريطة أداء مبالغ محددة سلفا، بذريعة أنه سيتوسط للساكن الجديد لدى "أصحاب الحال" على حد وصف زينب، التي قالت إنها صرفت ما يفوق ثمن شقة في السكن الاقتصادي، ذلك أن المنزل الذي اقتنت أرضه إحدى عشر عاما بثلاثين ألف درهم تجاوز ثمنه بعد "الضالة" وتقسيم الداخلية مائة وخمسين درهما.قبل البدء في تجهيز بيتها وتحويله من مجرد "صندوق" ليس فيه إلا الجدران الخارجية والسقف، إلى منزل يحتوي على الحد الأدنى من الأدنى للحياة الكريمة، كان على زينب أن تعبر مطب الحصول على صنبور ماء تجنبا لإكراه التنقل اليومي إلى السقاية العمومية، ما تطلب منها أداء مبالغ إضافية إلى صاحب الأرض من أجل التوسط لها عند الجمعية المتعاقدة مع المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب. الحرب على "الطوبيس" قررت الوكالة المستقلة للنقل بالبيضاء تمديد خط الحافلة رقم 4 إلى وسط منطقة أولاد القاضي، قبل أن تتحرك مافيا العشوائي وتعيد الحافلات إلى المحطة النهائية القديمة الواقعة في تقاطع شارع تدارت وشارع القدس، ولم تنفع شكايات المواطنين في الإبقاء على قرار التمديد."مالين الأرض ماباغينش الطوبيس والطاكسيات" يقول أحمد العائد لتوه من وقفة قام بها السكان أمام عمالة عين الشق، موضحا أن أصحاب المجمع العشوائي يدافعون بكل شراسة عن تجارة أخرى يحتكرونها، يتعلق الأمر بسيارات النقل المزدوج، وأن وصول الحافلات إلى المنطقة سينهي صلاحية هذه الرخص التي تمنحها الجماعات الواقعة في المجال القروي، على اعتبار أنها تعمل في اتجاه وسط المدينة.ويعتبر أحمد أن هذه الرخص غير قانونية لأنها ممنوحة من قبل بلدية بوسكورة وتعمل في تراب مقاطعة جماعة عين الشق، ذلك أنها تصل إلى غاية تقاطع شارع 2 مارس وشارع القدس، وهو ما كان يمكن تجاوزه بإضافة محطة إلى مسار الخط المذكور.ولم يسلم أصحاب الطاكسيات الكبيرة من تهديدات مافيا العشوائي، التي نجحت في ضمان احتكار تجارة النقل العمومي من وإلى الدوار المذكور، باستعمال علاقاتها المتشبعة بين أعيان المنطقة دون استبعاد استعمال القوة في حق بعض أصحاب سيارات الأجرة من أبناء المنطقة، الذين يمنع عليهم حمل أشخاص غير أفراد أسرهم الصغيرة.