الشعب لا يرى في الملك مجرد قائد سياسي بل رمزا للأبوة والحماية والرعاية بقلم: كمال هشومي(*) أعتقد أن الطبيعة البشرية تتميز بجانبها العاطفي وارتباطها الوثيق بالعلاقات الاجتماعية، وهو ما نجده بوضوح في خصوصية النموذج المغربي، حيث تلعب الروابط الأسرية والعائلية دورا مركزيا في بناء النسيج المجتمعي. وقد شكل هذا الامتداد الأسري المتين ركيزة أساسية في وحدة المغاربة وتماسكهم عبر العصور، مما يمنح الدولة المغربية طابعا فريدا في علاقتها بمواطنيها. في هذا السياق، لم يكن ظهور جلالة الملك محمد السادس، في حالة صحية خاصة خلال استقباله للرئيس الفرنسي، مجرد لحظة بروتوكولية، بل كان مشهدا اختلجت له مشاعر المغاربة جميعا، مفعما بالمحبة والتقدير والتعاطف العميق. وقد زاد من رمزية هذا الظهور حرص جلالته، رغم ظروفه الصحية، على إحياء ليلة القدر المباركة داخل القصر الملكي، جالسا، في مشهد غير مسبوق سيظل راسخا في ذاكرة المغاربة، الذين لم يألفوا رؤية ملكهم بتلك الهيأة. وقد أحسن الديوان الملكي صنعا بإصداره بلاغات رسمية منتظمة تطمئن الشعب على صحة جلالته، خاصة بعد العملية التي خضع لها، وتوضيحه للكيفية التي سيُحيي بها ليلة القدر. إن هذا التواصل الشفاف يعكس إدراكا عميقا لأهمية طمأنة الشعب، ليس فقط من منطلق سياسي أو دستوري، بل من منطلق وجداني يعكس طبيعة العلاقة الاستثنائية التي تربط المغاربة بملكهم. علاقة تتجاوز منطق السلطة والمؤسسات لتلامس عمق الهوية الوطنية. وقد تجلّت مشاعر المحبة والتعاطف العميق التي يكنها المغاربة لملكهم في أكثر من مناسبة، منها ما كان في لحظات أزمات صحية مر بها جلالته، حيث امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بالدعوات له بالشفاء العاجل، وعبّرت شرائح واسعة من المواطنين عن قلقهم الصادق وسهرهم على متابعة أخباره. كما كانت تلك المشاعر حاضرة بقوة خلال تنقلاته المفاجئة وسط المواطنين، كما وقع في العديد من المدن، حين التفّ الناس بعفوية حوله، لا تكلفا ولا اصطناعا، بل من صميم المحبة والوفاء. بل حتى في لحظات ضيق وحزن، كما تم في اللحظات المؤثرة كانت زيارته الشخصية لضحايا زلزال الحوز في شتنبر 2023، في المستشفيات، وتبرع بالدم، وأعطى تعليماته لإطلاق خطة لإعادة الإعمار والمساعدة العاجلة للمتضررين، ما خلق موجة من الفخر الشعبي بتضامنه وإنسانيته. أو خلال التكفل بحالات طبية خاصة بعلاج أطفال أو أشخاص في حالات صحية حرجة، سواء داخل المغرب أو في الخارج، بعد أن تداول المغاربة قصصهم في وسائل الإعلام أو مواقع التواصل. ويبقى طبعا الوقوف بجانب الأسر المعوزة خلال جائحة كوفيد-19،لإطلاقه صندوقا خاصا لتدبير الجائحة، وحرصه على دعم الأسر المتضررة ماليًا، وإعادة إدماج الأنشطة الاقتصادية، راسخا في موقف وطني وإنساني مشهود. وبقي كذلك موقف تلقيه اللقاح مباشرة، من الصور العميقة في تثبت الثقة واصطفافه إلى جانب مواطنيه والانضباط إلى الإجراءات الاحترازية والوقائية بعيدا عن التشكيك أو المبالغة. هذه المبادرات وغيرها تعبر عن علاقة حميمية بين الملك وشعبه، علاقة لا تقوم فقط على القانون والدستور، بل على الولاء العاطفي المتبادل. الشعب لا يرى في الملك مجرد قائد سياسي، بل رمزًا للأبوة والحماية والرعاية. عندما يتدخل الملك شخصيا في قضايا أفراد عاديين، يشعر المواطن المغربي بأن كرامته محفوظة، وأن الدولة ليست بعيدة عنه. هذا يولد ثقة وجدانية في المؤسسة الملكية. تواضع الملك، وظهوره بجانب الفقراء والمحتاجين والمرضى، يُحيل في المخيال الجماعي إلى صورة الحاكم العادل القريب من الناس، ويبعث على السكينة والاطمئنان المجتمعي. من جهة أخرى، تعتبر هذه المبادرات ليست فقط رمزية، بل تعبر عن دور فعلي للمؤسسة الملكية في بناء العدالة الاجتماعية وتقوية الدولة الراعية، ما يعكس تطورا في وظيفة الملكية نحو البعد التنموي والاجتماعي. وتساهم في ترسيخ شرعية الملك الشعبية ، حيث تبنى علاقته بالشعب على ثقة دائمة واستمرارية ووجدانية. وفي السياقات الصعبة (مثل الزلازل، الأوبئة، الأزمات الاقتصادية)، تُظهر هذه المبادرات دور الملك كضامن لوحدة الوطن، وكصمام أمان أخلاقي قبل أن يكون سياسيا، وفي الوقت نفسه هي رسالة واضحة للفاعل الحزبي من أجل الفعل والمبادرة الإيجابية، فحين يكون الملك هو المبادر الأول لمشاريع ذات طابع إنساني، فإن ذلك يُشكل أحيانا دعوة صامتة للنخب والمؤسسات لتحمّل مسؤولياتها، وتجسيد روح التضامن الحقيقي. ولذلك فرغم التعدد الحزبي والاختلافات السياسية، يظل الملك هو المرجع الأعلى، وصمام الأمان، والمظلة الجامعة التي يحتكم إليها الجميع. ويكاد يكون هذا الرابط الخاص بين العرش والشعب من خصوصيات النظام المغربي، حيث تشكل المؤسسة الملكية عماد استقرار الدولة واستمراريتها. وهو ما تفتقده العديد من الدول، رغم تقدم نظمها الديمقراطية، حيث تعاني من صعوبة انتقال السلطة بسلاسة، سواء في الأنظمة الرئاسية أو البرلمانية أو شبه الرئاسية. ومن المثير للاهتمام أن العديد من الدراسات والكتابات التاريخية والسياسية تشير إلى حنين شعوب بعض الدول إلى أنظمتها الملكية التي أُطيح بها خلال فترات التحول السياسي أو الثورات. فمثلًا، في فرنسا، ورغم ترسّخ النظام الجمهوري منذ الثورة الفرنسية، لا تزال بعض التيارات الملكية تنشط إلى اليوم، وتحظى برمزية داخل المجتمع، كما أن الشخصيات المتحدرة من الأسر الملكية السابقة تعامل باحترام رمزي، ويُستدعى بعضها أحيانا في النقاشات حول استقرار النظام السياسي. وفي إيران، لا يزال العديد من الإيرانيين، خاصة في المهجر، يستحضرون فترة حكم الشاه محمد رضا بهلوي، رغم كل الجدل السياسي حولها، باعتبارها مرحلة استقرار نسبي وحداثة، مقارنةً بالوضع الحالي بعد الثورة الإسلامية. وفي روسيا، بعد عقود من الحكم الشيوعي، ظهرت خلال السنوات الأخيرة نزعات نوستالجية تجاه العهد الإمبراطوري، وقد أعيد الاعتبار إلى أسرة رومانوف، وتم دفن رفات القيصر نيكولا الثاني وعائلته في كاتدرائية بطرسبرغ، وسط مراسم رسمية وشعبية مؤثرة. بل إن بعض الدول مثل بلغاريا وألبانيا شهدت عودة رمزية لبعض أفراد الأسر المالكة بعد سقوط الأنظمة الشيوعية، حيث لعبوا أدوارا سياسية أو رمزية، بدافع من الحنين الجماعي إلى فترات يُنظر إليها كمراحل ازدهار واستقرار. لذلك، فإن نظام الحكم في المغرب ليس مجرد خيار سياسي، بل هو جزء لا يتجزأ من الهوية العميقة للدولة، ومن الوعي الجمعي للمغاربة، الذين يعبّرون باستمرار عن ولائهم وارتباطهم الوجداني بملوكهم. ولعل الجنازة المهيبة والعفوية للملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني، طيب الله ثراهما، التي أبهرت المغاربة والعالم، تبقى شاهدًة خالدًة على هذا الارتباط الذي يتجاوز كل الأطر السياسية إلى ما هو أعمق وأنبل. (*) أستاذ العلوم السياسية بكلية الحقوق أكدال