fbpx
ملف الصباح

الشباب حاضر في خطب الأحزاب غائب في مواقع القرار

العزوف السياسي مرتبط بالنظرة إلى السياسة والسياسيين

من المفيد التركيز في موضوع علاقة الشباب بالسياسة على الطابع ” الانتهازي” والظرفي لتعامل الدولة والأحزاب السياسية مع الموضوع خلال فترات متقطعة من تاريخ المغرب، والتي برزت فيها تيمة الشباب كخطاب تعبوي لتشجيع المشاركة السياسية والالتفاف حول القضايا الوطنية الكبرى، ولعله من المفيد التذكير في هذا الباب بالدور الذي لعبه موضوع الشباب في البحث عن شرعية سياسية في خطاب الفاعلين السياسيين سواء تعلق الأمر بالنظام السياسي نفسه أو بأحزاب الحركة الوطنية أو أحزاب اليمين الاداري سابقا أو ما يمسى بأحزاب العهد الجديد، بما في ذلك حزب البام الذي أراد من خلال معادلته السياسية أن يجعل من موضوع تأطير شباب الألفية الثالثة أحد أهم أولوياته في استقطاب النخب على أنقاض التجارب السياسية السابقة.
تعددت الدراسات التي تناولت الشباب المغربي كموضوع، سواء من حيث حضوره في الخطاب السياسي للفاعلين السياسيين أو من خلال اعتماده كتعبير عن أزمة المشاركة السياسية في البلاد، من خلال تناول ظاهرة العزوف السياسي على وجه الخصوص.
ولا بد من الرجوع في هذا الباب إلى دراسة مهمة حملت عنوان “تأملات حول قضايا الشباب السياسية والانتقال الديمقراطي” للباحث حسن طارق، والتي اعتبر فيها صاحبها أن التسليم بأن حضور “الشباب” داخل الخطاب السياسي يبقى حضورا طبيعيا، لا يلغي فرضية الحضور “الانتهازي” للشباب موضوعا للخطابات السياسية، موردا في ذلك أمثلة عديدة عن تجارب سياسية سابقة تعاملت مع موضوع الشباب والسياسة من منظور اختزال الصراع السياسي في الصراع بين” الأجيال السياسية”، ويؤكد الباحث حسن طارق في هذا الصدد بأن مدرسة سياسية مغربية، مقربة من السلطة منذ بداية الثمانينات، اعتمدت في خطابها التأسيسي،الباحث عن الشرعية، على موضوعة “جيل الاستقلال”، في مواجهة مبطنة لجيل الحركة الوطنية.
وتكررت هذه التيمة، في كثير من التجارب الحزبية، وصولا إلى تلك التي أسست عشية الانتخابات التشريعية لعام 2002، إذ تم الاشتغال على الأطروحة نفسها المبشرة “بموت الحركة الوطنية” وبتأسيس حزب أجيال ما بعد الاستقلال وفئات الشباب.
وفضلا عن هذا التمظهر الانتهازي لحضور الشباب داخل الخطاب السياسي لدى بعض الفاعلين العموميين، يرى الباحث أنه يمكن بسهولة كذلك الوقوف على تمظهر “تبسيطي” لمقولة الشباب، من خلال توظيفها في مقاربة جيلية للمسألة السياسية لبلادنا.
ويشير الباحث كذلك إلى أن تيارات اليسار الجديد خلال فترة السبعينات،  اعتبرت الرهان على الشبيبة التلاميذية والطلابية، بمثابة رهان على “طليعة تكتيكية، ويرى الباحث نفسه، أن تسييس مقولة “الأجيال” هو في الحقيقة تحريف لحقيقة الصراع السياسي والاجتماعي، كما هو، مؤسس على صراع للمصالح المادية وللقيم الفكرية وللمشاريع المجتمعية.
فالشباب في نهاية التحليل، ليس كتلة متجانسة ولا طبقة اجتماعية، بل إنه فئة عمرية مخترقة بالتناقض الاقتصادي وبالصراع الاجتماعي وبالتقاطبات الفكرية والقيمة.
لذا فالانجرار وراء هذه الإيديولوجيا الشبابوية، التي ترسم التناقض الرئيسي في المغرب، بين نخبة شائخة وشباب متقدم وحداثي، هو بمثابة نوع من اللاسياسة.
ويؤكد الباحث حسن طارق أن هذا الخطاب المتداول داخل النخبة وفي أوساط الإعلام، حول الشباب والمشاركة السياسية، يقدم درسا مدرسيا نموذجيا، في سيطرة الكليشيهات والقوالب الجاهزة والنمطية على تمثلاتنا الجماعية لكثير من الظواهر السياسية والاجتماعية.
هكذا يقدم هذا الخطاب، معطى “العزوف” ثابتا منهجيا في تحليل علاقة الشباب بالسياسة بعيدا عن كل الأسئلة الممكنة وحقيقة مطلقة خارج كل تفاعلات التاريخ.
إن مشاركة الشباب المغربي في العمل السياسي، لابد لها أن تتأطر موضوعيا بحجم المشاركة الشعبية في العملية الديمقراطية ككل. هذه المشاركة التي لاشك أن بلادنا ما زالت تعيش لحظتها التأسيسية، فسلطة الاقتراع العام ، حسب الباحث نفسه، ما تزال هشة والظاهرة الحزبية كأحد حقول المشاركة لا تزال في خطواتها الأولى، وثقافة الشأن العام ما تزال هجينة وقيم المواطنة والالتزام الجماعي هي أقرب ما يكون إلى المشروع منه إلى الحقيقة المجتمعية المترسخة…
وعموما فمجالات “السياسة” و”الحقل العمومي”… ما تزال محدودة وبالغة الهشاشة. غير أن هذا الإقرار بالعوائق المجتمعية وبالشروط الموضوعية الضاغطة، لا يمنع من الوقوف على حيوية جزء كبير من الشبيبة المغربية وانخراطها في فضاءات المواطنة، التي لم تعد المواطنة الحزبية هي نموذجها الوحيد، بل أصبحت للالتزام الجماعي صور وصيغ للحضور أكثر تعددا، وانفتاحا على حقول العمل الجمعوي بكل هوياته الجديدة وعلى مجالات الحركة الاجتماعية والاحتجاجية…
ويرى الباحث أن  جهودا كبيرة، ما تزال تنتظر الفاعلين العموميين، للانفتاح أكثر على الشباب بتطوير خطابات أقرب إلى اهتماماتهم، وآفاق انتظارهم، بتحسين بنيات الاستقبال وبتشبيب الهياكل وتحديث صيغ العمل…

رشيد باحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق