لزوم استرجاع المال المختلس ومطالب بأبحاث سرية سابقة لتحريك المتابعة شكل إحداث المحاكم الاستئنافية الأربع للجرائم المالية، منعطفا مهما ضمن جهود حماية المال العام من الاختلاس والتبديد وعقاب كل من تسول له نفسه الاستيلاء عليه بنية تملكه. وراكمت مكاسب متعددة ومتنوعة وقطعت أشواطا لاستئصال ولو جزئي لكل مظاهر الفساد المالي واسترجاع المال المختلس، خاصة بعد إحداث شعبة "غسل الأموال" بمحاكم ابتدائية محددة. ويؤكد خالد البقالي، محام بهيأة فاس، أن إسناد الاختصاص لهذه الأقسام الأربعة، دليل الاهتمام الرسمي بالجرائم ذات الصلة بالمال العام وتدبيره، سيما بعدما أصبحت أكثر انتشارا راهنا وفي ظل زيادة اهتمام المواطن والرأي العام، بتتبع ملفاتها مراعاة للخطر الحقيقي الذي تشكله على إهدار المال العام والاقتصاد الوطني، لأن مثل هذه الجرائم "مضرة بالمصلحة والثقة العامة". ورغم أن الاختلاس جريمة قديمة نطقت بها محكمة العدل الخاصة، فإن تتبعها واهتمام الإعلام بها "لم يكن بشكله الحالي وأصبح الآن تحت المجهر بعد إلغاء هذه المحكمة وإنشاء غرف خاصة باختلاف درجة المحاكم، تحال عليها متى توفرت شروط معينة في مسطرة تنطلق بالبحث التمهيدي وتتواصل بالإحالة على النيابة العامة وقضاء التحقيق أو مباشرة" يقول زميله محمد الصحراوي. وشدد المشرع المغربي في العقاب عن الاختلاس والتبديد وكل الجرائم المسهلة والممهدة لذلك، لكل موظف عمومي أو شخص مرتبط بمصلحة تقوم بنشاط ذي طابع عمومي، "وسيلة لمكافحة هذه الجرائم" برأي البقالي، ما لوحظ مع انطلاق العمل في هذه المحاكم، إذ كانت العقوبات مشددة في أقصاها ببعض الملفات الرائجة حينئذ، قبل أن تتراجع تدريجيا ونسبيا في السنوات الأخيرة. وصدرت في أول الملفات المدرجة أمام قسم جرائم الأموال بفاس، على سبيل المثال، أحكام مشددة وصلت في أقصاها إلى 10 سنوات سجنا نافذا في ملف اختلالات تعشير السيارات بمركز تسجيلها بالناظور. وتوالت كذلك سنوات بت فيها القسم في مئات الملفات الجنائية للفساد المالي بمؤسسات وإدارات، المحالة عليه من جهات الشرق والحسيمة وتافيلالت وفاس مكناس. ومع مرور الوقت لوحظ انخفاض في العقوبة المحكوم بها مختلسو ومبددو المال العام، في أغلب الملفات، أقصاها 8 سنوات سجنا نافذا محكوم بها البرلماني التجمعي الفايق في ملف اختلالات التعمير بجماعة أولاد الطيب، فيما تفاوتت في ملفات أخرى بعضها حكم المتهمون فيها بعقوبات موقوفة التنفيذ، كما في ملفات منح لها أكثر من حجمها، وحظيت بتتبع إعلامي واسع. ومن ذلك ملف تجزئة بادس بالحسيمة الذي عمر سنين طويلة في المرحلتين الابتدائية والاستئنافية وصدرت فيه أحكام برأت الكثير من المتابعين فيه، لعدم ثبوت الأفعال المنسوبة إليهم بعد مناقشتها، كما ملف اختلالات التعمير بكيكو وذاك لتبديد أموال مؤسسة روح فاس المنظمة لمهرجان المدينة للموسيقى العالمية العريقة، وأخرى لجماعات برئ رؤساؤها بعد سلسلة من الجلسات. تعميق البحث والاستئناس بالمتوفر من الوثائق والمستندات، أزال "حبل" العقاب عن أعناق الكثير ممن توبعوا بناء على شكايات وبعد سنين أو شهور طالها التقاضي وأهدر خلالها الزمن القضائي، ونسبة مهمة منها تتعلق بجماعات ترابية أو مؤسسات عمومية عكس البنوك الثابت الاختلاس والتبديد، في أغلبية الملفات المدرجة ووصلت فيها العقوبات في أشدها إلى سنتين أو أكثر. وتلافيا لهدر الزمن القضائي لقضاء التحقيق وغرفتي القسم الابتدائية والاستئنافية، ينصح متتبعون بالتريث في تحريك المتابعات في ملفات، وإجراء الأبحاث أطول مدة ممكنة وإن اقتضى الأمر فيها الاستعانة بخبراء لتدقيق المصاريف وكيفية صرف المال العام، سيما تلك التي تخص شكايات غالبا ما تكون في إطار تصفية الحسابات السياسية، مع إحاطة كل بحث بالسرية اللازمة. كل ذلك لا يمكن أن يبخس مجهودا يبذل لمحاربة مظاهر الاختلاس، فيما يسير الاتجاه نحو استرجاعه من مختلسيه، وهي الخطوة الأهم أقل من العقوبة، لأن الهدف حماية المال العام واسترجاعه وتحقيق الردع الخاص والعام، لأن "ما جدوى الزج بمختلس بالسجن، دون إرجاع المبلغ المختلس؟"، يقول محام، ملحا على ضرورة مصادرة والحجز على كل ممتلكات المختلسين إن ثبت في حقهم الفعل. حميد الأبيض (فاس)