fbpx
ملف الصباح

جيران الملعب… مضطهدو الشغب

كلما أثير “الاضطهاد”، تتشكل في الذهن، وفي أغلب الأحيان، صورة، الضحية فيها، هي الجماهير أو فرد منها، والمتهم، هو السلطة ممثلة في الحاكم أو الغني، لكن، إذا ما أردت تشكيل صورة تقلب فيها تلك الأدوار، كل ما عليك القيام به، هو التوجه إلى محيط المركب الرياضي محمد الخامس، الموجود في قلب منطقة المعاريف الفاخرة، بالبيضاء. ففي هذا المكان، وسواء طرقت باب أسرة، أو دلفت إلى مكتب مسؤول في محل تجاري أو مطعم أو مصحة، ستستمع إلى حكايات “اضطهاد”، “الجلاد” فيها هو “الشعب” ممثلا في أفراده، الذين تتفق الروايات، أنهم يأتون من الأحياء الشعبية، والضحية، هم “أغنياء” المعاريف.
في آخر يوم من شتنبر 2014، أمام المركب الرياضي محمد الخامس. لقد مر شهر واحد فقط، على انطلاق الموسم الجديد من البطولة الوطنية الاحترافية لكرة القدم، لكن المشاغبين من مشجعي أكبر فريقين بالمدينة، وضيوفهم، فضلوا استئناف بث رعبهم في صفوف السكان ومسيري المحلات وزبنائهم، وتكبديهم الخسائر في وقت مبكر.
في هذه المنطقة، حيث توجد محلات تجارية فاخرة، بعضها فروع لعلامات تجارية عالمية، وصالونات تجميل وحلاقة، ترتادها نسوة ميسورات، كرس شغب الجماهير الرياضية، في أنفس المتضررين، خوفا كبيرا، حتى أن دفعهم إلى التعبير عن ذلك، أشبه بمحاولة الحصول على سر مهني لدى موظف، إذ أنهم، جميعهم يرفضون الإدلاء بتصريحات، عن “معاناتهم” بأسمائهم وصفاتهم الرسمية، مما يعكس مدى الرعب الذي يعيشونه، وخوفهم من انتقام الجماهير.
ولعل أبرز مثال عن ذلك، مسير واحدة من الصيدليات الموجودة في شارع قريب من المركب الرياضي، تردد في الحديث إلى “الصباح”، بداية، عن واقع يعرفه القاصي والداني بالمدينة، وفي الأخير، قال “أرجو أن لا تكونوا قد سجلتم كلامي، أو سجلتم اسم الصيدلية”، وهو الموقف ذاته، الذي عبر عنه آخرون.
هذا، الخوف من الانتقام، لا يمكن إلا اعتباره مؤشرا، على أن ممارسي الشغب، يرى فيهم الضحايا، تشكيلات منظمة، قد تكون متابعة حتى لتصريحاتهم الإعلامية، ومؤشرا أيضا، عن أسباب غياب أدنى تحرك جماعي من المتضررين، سكانا وتجارا، لدى السلطات، لرفع الضرر عنهم.
قبالة أبرز بوابتين تلج منهما الجماهير إلى الملعب، البابان رقم 12 و14 الخاصان على التوالي بالمدرجات الجانبية والوسطى، ومنهما يستقبل الملعب مشجعي فريق الرجاء البيضاوي، توجد مصحة خاصة لجراحة الأسنان، بدخولها، تستقبلك ممرضة وموظفة استقبال، تختزن ذاكرتهما، تفاصيل الخسائر، ليس فقط المادية، إنما حتى المخاطر الصحية، لمرضى تحرمهم المباريات الرياضية من تلقي علاجاتهم.
وعن هذا، تقول موظفة الاستقبال، “لن أخفيكم أن معاناة زبنائنا، تشتد أكثر، إذا ما احتضن الملعب مباراة في منتصف الأسبوع، وهي معاناة تبدأ بترتيبات المباراة التي تؤدي إلى إغلاق كافة المنافذ إلى هنا، أمام السيارات، فيكون لزاما عليهم ركن سياراتهم بعيدا، والسير وسط الجماهير، مما يدفع كثيرا منهم، إلى الاتصال وإلغاء مواعدهم، حتى لو تعلق الأمر بحالات استعجالية”. وإذا كان إلغاء موعد التطبيب، يبدو آخر الدواء، فالعكس هو الصحيح، حسب الموظفة، إذ أن تحديد موعد آخر، “ليس متاحا، بالسهولة التي قد تتخيل، لأن التأجيل، يعني الانتظار أسبوعا كاملا، مما يعني أنه قد يصادف مرة أخرى، تاريخ مباراة لكرة القدم”.
وحسب المتحدثة، فمما يزيد من تعقيد الوضع، “غياب أي تنسيق معنا من طرف المنظمين، وعلى الأقل إخبارنا بتواريخ المباريات، حتى ننظم عملنا، خصوصا في الجانب المتعلق بالعلاقة مع المستفيدين من العلاجات بالمصحة”، لتضيف أن ذلك “دفعني، رغم عدم شغفي بالرياضة، إلى ولوج المواقع المتخصصة ومتابعة الإعلام الرياضي لمعرفة مواعيد المباريات”.
وإذا كانت الأحداث الرياضية في بعض الدول، مناسبة للرواج التجاري والاستجمام والاستهلاك، فالعكس هو الحاصل هنا، إذ أن المطاعم تفضل إغلاق أبوابها، وأخرى وظفت أعوان أمن خاص، من أجل السهر على حماية الواجهات، إلى حين مرور حشود المشاغبين، أما السكان، فكثيرون لا يخفون محاولة بيع شققهم، لكن المشتري حينما يعلم ما ينتظره، يتراجع، مؤكدين، أن المباريات تحول حيهم إلى منطقة تعيش حالة حظر للتجوال.
امحمد خيي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق