fbpx
حوادث

دراسة في القانون : المفوض القضائي الحلقة المفقودة في مشروع قانون المسطرة المدنية

عمل المفوض هو جوهر الحكامة الجيدة وضمانة للمحاكمة العادلة

يعتبر التبليغ المحور الأساسي في تحقيق مبدأ «الواجهية» والمحاكمة العادلة، فالتبليغ ليس مجرد واقعة مادية أو إجراء مسطري يرمي إلى إعلام الأطراف بمجموعة من إجراءات الدعوى، سواء قبل رفعها أو أثناء سريانها أو بعد صدور الحكم فيها، وإنما هي إحدى الضمانات الأساسية والجوهرية التي تؤدي إلى التكريس الفعلي للمحاكمة العادلة، وبالتالي هو إجراء جوهري يرتبط بحقوق الدفاع والذي يجب أن تراعى فيه الدقة والقراءة الموضوعية للمحيط الذي يتم فيه ومن ثم يجب تحديث منظومة التبليغ بشكل يحقق النجاعة والحكامة المطلوبتين ولتفعيل وتحقيق ذلك يجب تقوية دور المفوض القضائي داخل هذه المنظومة، ومن باب الاحتكارية على اعتبار أنه الإطار المؤهل أكاديميا وقانونيا ومهنيا لاحتكار هذا الاختصاص دون سواه، لأنه ثبت بما لا يدع مجالا للشك بأن بدائل التبليغ الكلاسيكية طرحت عدة إشكالات على مستوى العمل القضائي، وذلك راجع لعدم إلمام هاته الجهات بماهية التبليغ وبياناته، وما يترتب عنه من آثار.
 ولقد انتبه واضعو ديباجة مسودة «مشروع» قانون المسطرة المدنية لسنة 2010 إلى أهمية دور المفوض القضائي في تحسين منظومة التبليغ عندما  أوجبت إرفاق المقال بإشهاد المفوض القضائي، تحت طائلة عدم قبول تقييده بكتابة الضبط عند عدم احترام هذا الإجراء، وبالتالي النص على إجبارية التبليغ عن طريق المفوضين القضائيين فإن كان هذا الأمر  جاء ملائما لطموحات المفوض القضائي المشروعة فإنه في حقيقة الأمر مجرد حبر على ورق، نظرا لما هو مجسد في الواقع ولما استقرت عليه الممارسات بشأن إجراءات التبليغ، وهذا ما عكسه بشكل واضح «المشروع «الحالي حيث جاء في المادة52 منه (يبلغ الاستدعاء بواسطة أحد المفوضين القضائيين بسعي من الطرف المعني يمكن للمحكمة أن تأمر عند الاقتضاء بتبليغ الاستدعاء بواسطة أحد موظفي كتابة الضبط أو بالطريقة الإدارية أو بأي وسيلة أخرى للتبليغ متى كان التبليغ بواسطة  المفوض القضائي متعذرا) فلو كان واضع  المشروع يقصد بالتعذر الدوائر القضائية التي لا يوجد بها مفوضون قضائيون لاحتفظ بالصيغة نفسها الواردة في مشروع  2010 وأشار إلى الاستثناء إذا كان له مبرر، بالإضافة إلى ذلك لا مجال للقول بالتعذر أمام مسطرة التبليغ المنصوص عليها في المادة 57  لكن المقصود من هاته المادة تكريس وتبطين ازدواجية التبليغ وضرب لمبدأ الاحتكارية الذي تبناه القانون المقارن.
 رغم أن عمل المفوض القضائي هو جوهر الحكامة الجيدة وضمانة للمحاكمة العادلة كما أقرها الدستور، وهذا ما يستشف من الحكم القضائي الصادر عن المحكمة الإدارية بالرباط (قسم القضاء الشامل) بتاريخ13 يونيو2013 الملف رقم2012/7/357 بين المديرية العامة للضرائب في شخص ممثلها القانوني الحكم عدد 2226، (حيث يهدف الطلب الحكم بإلغاء مقرر اللجنة الوطنية والتصريح بالصحة الأساس الضريبي، الذي حدده المفتش مع الصائر، حيث أمرت المحكمة الجهة المدعية باستدعاء المدعى عليه بواسطة المفوض القضائي، وظل هذا الإجراء دون جدوى رغم توصلها بالإشعار، وحيث عدم مباشرة المدعية باعتبارها إدارة عمومية يفترض فيها اليسر والنجاعة والحكامة الجيدة في تدبير المنازعة القضائية الإدارية لإجراءات تبليغ المدعى عليه بواسطة المفوض القضائي رغم إشعارها بذلك، بعد تعذر التبليغ بالطريق العادي لعدة جلسات وبالنظر لقصور وسائل المحكمة في التبليغ أمام إحداث هيأة المفوضين القضائيين هيأة تتمتع باختصاص أصيل في هذا المجال، جعل من المتعذر السير في إجراءات الدعوى والتحقيق فيها لتخلف شروط المحاكمة العادلة، والتي على رأسها إبلاغ المدعى عليه بفصول الدعوى كفالة لحقوق الدفاع الدستورية (الفصل120 من الدستور) والتي أرستها جل المواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان المادتان 10-11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادتان 9 و14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسة، والذي يعد من صميم مسؤولية المحكمة التحقق والتثبت من احترامها وأمر الأطراف بالسهر على الإجراءات الموصلة لها تحقيقا لمبدأ المحاكمة  في أجل معقول الشيء الذي يتعين معه بتخلف المدعية عن تحقيق ذلك بالرغم من الدعوى وملك للخصوم لا المحكمة التصريح بعدم قبول الطلب).
تتبين من خلال إجراء مقارنة بسيطة بين ما تم التنصيص عليه في المادة52 من المشروع وما جاء في هذا الاجتهاد القضائي الجريء، المفارقة الغريبة في فهم دور المفوض القضائي في التبليغ وفي تكريس الحكامة الجيدة والنجاعة والمحاكمة العادلة، وبالتالي دوره في تحقيق الأمن القضائي والاقتصادي والاجتماعي، ولم يقف الأمر عن ذلك، بل تجاوزه لتشمل الازدواجية أيضا إجراءات التنفيذ.
ثانيا:إجراءات التنفيذ والأشخاص المسندة إليهم مهام التنفيذ.
يلاحظ من خلال قراءة نصوص ومقتضيات «مشروع «قانون المسطرة المدنية الخاصة بمساطر التنفيذ، أنه تم تكريس مبدأ الازدواجية، فبالإضافة إلى المفوض القضائي، نجد موظفي كتابة الضبط كأشخاص مكلفين بمهام التنفيذ، وهذا واضح من مضمون المادة  544من «المشروع»  من خلال ما جاء في الصيغة التنفيذية «وبناء على ذلك يأمر جلالة الملك جميع المكلفين بالتنفيذ من موظفين ومفوضين قضائيين أن ينفذوا هذا السند…..»، ومن الأشخاص المسندة إليهم مهام التنفيذ أيضا وبحرفية المواد 609 إلى 616 من المشروع، قاضي التنفيذ في إطار إجراءات بيع القيم المنقولة حيث جاء في مقتضيات المادة 609 «مع مراعاة الأحكام الخاصة بنظام بورصة القيم المنقولة تباع القيم المنقولة بالمزاد العلني بواسطة قاضي التنفيذ المختص»، ومن خلال هذه المستجدات يتبين وبدون لبس أن المفوض القضائي تم تقليص صلاحيته بشكل لا يتناسب وأهمية المرحلة ومستلزمات التغيير الجذري للمنظومة القضائية في الوقت نفسه. وبالرجوع إلى القانون الفرنسي الذي قوى من دور المفوض القضائي نجد أن هذا القانون اعتبره ضابطا عموميا له صلاحية التبليغ وتنفيذ القرارات القضائية والسندات والعقود ذات الصيغة التنفيذية  وتحصيل الديون بشكل حبي وإجراء البيوعات الحبية والقضائية، وكذا السندات المنقولة  كما رخص له بمزاولة أنشطة تبعية محددة بنصوص خاصة «GESTIONNAIRE IMMOBILIER»«AGENT D’ASSURANCE » وتحرير العقود العرفية.
 ولقد أبانت بعض الإحصائيات لسنة 1993 أن المفوض القضائي نتيجة تدخله عن طريق الوساطة وإجراءات التنفيذ الحبية والجبرية تمكن من إرجاع مبلغ 43 مليار فرنك فرنسي، وكان في هذا الأمر تخفيف العبء عن المحاكم  وهو في حد ذاته يجسد نوعا من الترشيد والعقلنة  للعمل القضائي، وهذا ما دفع المشرع الفرنسي إلى تكريس هاته الخيارات في الموضوع من خلال:1 احتكارية الأنشطة القضائية بجميع فروعها على المفوض القضائي2 خلق أنشطة غير قضائية وإلحاقها باختصاصات المفوض القضائي بنصوص خاصة إعطاء دور كبير وموسع للمفوض القضائي في التنفيذات الحبية والجبرية3مده بكافة الوسائل المتاحة لإنجاح مهامه من قبل القانون4 اعتبار محضر المفوض القضائي ولما له من حجية ورسمية – سندا تنفيذيا  إلا أنه مع الأسف ومن خلال قراءة مستجدات «مشروع « قانون المسطرة المدنية يتضح بأن واضعي المشروع حدوا من مبدأ احتكارية المفوض القضائي في مجال التنفيذ، وإن كانت هاته الأخيرة لم يسبق أن تم تكريسها في يوم من الأيام على أرض الواقع.

بقلـم :   ذ  محمد القوص
  مفوض قضائي بفاس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى