< د. خالد الحري يوغل سكان قصر الإليزي في الوحل، ويحفرون في القاع من أجل الوصول إلى ما تحته من خسة وقذارة ونذالة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الإنسانية والسياسية بين البلدان التي تحترم نفسها، ولم يسبق لبلد أن استغل فاجعة ومأساة طبيعية لتصفية حسابات. ما يفعله ماكرون، هذه الأيام، عبر قنواته وجرائده وصحافييه وحوارييه وأجهزته، لا يحمل أي اسم آخر غير العار الذي يجلل سيرة أمة فرنسية حاربت مئات السنين، وضحت بالأرواح والدماء، لرفع لواء الحرية والمساواة والأخوة بين الشعوب، ثم ابتلاها القدر، في نهاية عهدها، بقادة يمعنون في تمريغ هذه القيم على مرأى من العالم. إنها الفضيحة، حين تغمض فرنسا العين على فاجعة إنسانية في الحوز وتارودانت وورزازات وأكادير، وتدير ظهرها إلى قوافل الموتى والمعطوبين والمكلومين والمنكوبين والعالقين تحت الدمار والنائمين في العراء، ولم تهتم سوى بترميم "أنانية" صغيرة خدشها اعتذار مؤدب من المغرب، بعدم قبول عرض بالمساعدة في الإنقاذ. وفجأة، اختفت فرنسا الإنسانية والحنونة والطيبة والرقيقة والناعمة، المستعدة لتقديم الدعم في الإنقاذ والإغاثة والإسعاف والبحث عن الأحياء والوصول إلى الرضع والأطفال تحت الأنقاض، وظهرت فرنسا المتوحشة ذات الأنياب الحادة المستعدة للفتك، إذ تعرضت كرامتها الجريحة للإهانة من دولة (كانت مستعمرتها السابقة)، اسمها المغرب. لقد ترك الصحافيون والقنوات والجرائد والمواقع الإلكترونية و"بلاطوهات" النقاش وتقارير المخابرات كل شيء، وتفرغوا إلى "العنجهية" المغربية، وأفحموها تحليلا وتقييما وأمطروها أسئلة ونقاط استفهام، إلى درجة أن بعض "المنشطين" لم يصدقوا أن دولة مستقلة وذات سيادة يمكن أن تقبل عروض مساعدات وقت الأزمات، كما يمكن أن ترفضها. فرنسا ماكرون لم تستوعب، ولا تريد ذلك، بأن عهدا من علاقات الحجر والاستعمار والأغلال والوصاية، ولى إلى غير رجعة، وحل محله عهد الدول والحكومات ذات السيادة، التي تحدد حاجياتها بشكل مستقل، دون تدخل من أحد. إن رفض المساعدات الفرنسية، كما فهمه العالم باستثناء ماكرون، لا يخضع لأي حسابات أخرى، غير ترتيب الأولويات والحاجيات على أرض تعرضت إلى أكبر الهزات عنفا، في القرن الواحد والعشرين. وعوض أن يتنازل الإليزي عن كبريائه، ويحترم دولة ذات حكومة وقرار وسيادة، اختزل الموضوع كله في رفض مغربي، وحاول أن يصنع منه رأيا فرنسيا ودوليا معاديا للرباط، من بوابة التحليل الإعلامي والسياسي المغرض، الذي يفيد أن المغرب لا يكترث بنداءات المساعدة من الخارج. والحال، أن ما تروج له الآلة الدعائية الفرنسية لا أساس له من الصحة، في وجود برنامج متحكم فيه لاستقبال الوفود والفرق والمساعدات من الخارج، حسب الحاجيات المرصودة على الأرض، بدليل وجود عدد من الفرق الأجنبية والعربية بالمناطق المنكوبة. ربما، لم تتوفق فرنسا في توفير ما نحتاج إليه فعلا، لكنها توفقت، للأسف، في زرع الأحقاد والضغائن.. بدل زرع ابتسامة وسط الدمار.