الحاجة لعقليات بديلة لا يمكن للحقوقي المتتبع لأحوال الاعتقال الاحتياطي، الذي حطم الأرقام القياسية، وتجاوزت نسبه الدول المجاورة، إلا أن يصفق للقانون الذي صادق عليه مجلس الحكومة الخميس الماضي، في انتظار عرضه على مجلسي النواب والمستشارين. مشروع قانون وإن كان لا يلبي كل الطموحات، إلا أنه يبقى محاولة واعدة في درب ترشيد الاعتقال، وتنزيل السياسة الجنائية الجديدة، لكن هل يقبل المجتمع وأقصد هنا فئة "الضحايا"، أن يرى خصمه عاملا لساعات في مؤسسة، بدل سجنه، أو أن يراه متجولا في دائرة جغرافية محددة بتقنيات تحديد الأماكن؟ أو بعبارة أخرى، هل يقبل "الحرية المراقبة"، بديلا لسلب الحرية؟ لا شك أن الواقفين وراء إعداد هذا المشروع القانوني، أنجزوا ما يكفي من الدراسات، وشخصوا الواقع، كما اعتمدوا القوانين المقارنة والمواثيق الدولية، للخروج بهذه الحصيلة من مشاريع القواعد القانونية البديلة عن الاعتقال، ولا شك أيضا أن الحاجة اليوم، تميل إلى البحث عن وسائل رادعة للسلوك الإجرامي، وفي الآن نفسه منصفة في حق الضحايا، إلا أن هذه المعادلة، تصطدم بعوائق في الواقع العملي، ضمنها مدى قدرة المحاكم على التكيف معها، رئاسة ونيابة عامة، وكيف ستواجه التأثيرات الخارجية، سيما بعد أن تكررت احتجاجات على قضاة، من قبل ضحايا مؤازرين بجمعيات، في ملفات عرفت المتابعة في حالة سراح مقابل كفالة، أو تخفيف حكم بمراعاة الظروف الاجتماعية وانعدام السوابق، وغيرها من القرارات، التي كان لها في بعض الأحيان تأثير بالتراجع عن التمتيع بالسراح، أو الإسراع في تحديد جلسات الاستئناف لإنزال عقوبة أشد، وهو ما يطرح استفهامات حول مدى تقبل المجتمع لهذه العقوبات البديلة المضمنة بمشروع القانون الجديد. ورغم أن قرينة البراءة دسترت في 2011، إلا أن الغلو في الاعتقال الاحتياطي، مازال يحطم الأرقام القياسية بالسجون، ما يعني أن مواجهة الظاهرة، لا تحتاج فقط إلى عقوبات بديلة، بل إلى عقليات بديلة ورقي بالمجتمع، ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا، لدفعه إلى قبول المقترحات وإقناعه بالورش الكبير، لتوطيد الحقوق والحريات. المصطفى صفر