نصابون يتجولون بقاعات المحاكم ومكاتب القضاة نددت عدة أصوات حقوقية نزيهة بطنجة باستفحال "داء السمسرة" ومظاهر الفوضى داخل أروقة محاكم المدينة، بعد أن تحولت إلى مقرات رسمية لعدد من السماسرة المحترفين، الذين تجدهم يتجولون بقاعاتها ومكاتبها بكل حرية وكأنهم موظفون بها، ويقومون بإنجاز كل الإجراءات وتسريعها، مستغلين علاقتهم المشبوهة مع بعض الموظفين ضعاف الضمير. فقيامك بجولة واحدة داخل محاكم عاصمة البوغاز، كاف لاكتشاف حقيقة ما يجري من قصص وحكايات، أبطالها سماسرة يحسنون تصيد مواطنين أرهقهم ارتفاع أتعاب بعض المحامين، أو يرغبون في كسب ملفاتهم بأي طريقة ممكنة، فيحتالون عليهم بكلام معسول والتظاهر بالنفوذ وقدرتهم على التدخل لدى القضاة وأصحاب القرار للحسم في أي قضية، ما يجعل الضعاف منهم يسقطون في حبالهم ويدفعون لهم أموالا قبل أن يكتشف أمرهم ويختفون عن الأنظار. عدد كبير من هؤلاء السماسرة يزاولون أنشطتهم المشبوهة في الخفاء داخل المحاكم، ويعرضون خدماتهم على المتقاضين وأسرهم حتى أصبحت وجوههم مألوفة لدى الجميع، فيما يتخذ آخرون من المقاهي المجاورة للمحاكم ومحلات الكتاب العموميين مقرا لهم، بينما يناقش السماسرة الكبار فصول القضايا الوازنة بالفنادق المصنفة والمقاهي الفاخرة، بعيدا عن أعين المتربصين. أما بخصوص جرائم التهريب والاتجار في المخدرات، فإن عددا من الملفات الشائكة كان للسماسرة دور كبير فيها، إذ أكدت أصوات حقوقية أن ملفات عديدة شابها التواطؤ ولعب فيها مال المخدرات دورا كبيرا، مبرزة أن وسطاء تدخلوا في قرارات صدرت في حق أباطرة المنطقة، منهم من حصل على البراءة ومنهم من متع بأحكام مخففة بناء على علاقات مشبوهة تربط بين سماسرة نافذين وبعض الجهات القضائية بالمدينة. وسبق للجهات الوصية على القطاع، أن توصلت بسيل من الشكايات الموقعة والمجهولة، التي تحدث محرروها عن ملفات قضائية بعينها صدرت بشأنها أحكام حامت حولها شبهات، وتحمل مضامين وتفاصيل مثيرة حول طريقة معالجتها وأسماء وصفات بعض السماسرة المتدخلين فيها، إذ أجريت بشأنها أبحاث إدارية معمقة لاستبيان الخروقات المزعومة، إلا أن نتائجها طالها الكتمان وظلت حبيسة الرفوف إلى أن لفها النسيان، إذ لم تتخذ في حق المشتبه فيهم أدنى إجراءات عقابية تذكر، ما أكد للرأي العام المحلي أن هذه الجهات نافذة لا يمكن أن يطبق في حقها القانون. ورغم دخول المصالح الأمنية المختصة على الخط، وقيامها، في مرات متعددة، بإعداد تقارير مفصلة عن تحركات هؤلاء السماسرة، خاصة الموجودين بأبواب محاكم المدينة ومرافقها وعلى شريط المقاهي المنتشرة بالقرب منها، وكذا أولئك الذين يعيشون في الظلام ويعملون على قضاء أغراضهم الدنيئة بواسطة هواتفهم المحمولة، بالرغم من ذلك، مازال هؤلاء السماسرة يتناسلون بسرعة فائقة ويسعون بشتى الوسائل لتحصيل ثروات على حساب هذا القطاع عبر نوافذ متعددة تشمل المعتقلين وقضايا التهريب والمخدرات والتزوير والترامي وغيرها... وأعرب عدد من المتقاضين والمحامين في طنجة عن تذمرهم واستيائهم البالغين إزاء هذه الظاهرة، التي أصبحت الوجه البارز والسمة الطاغية بكل المرافق القضائية بالمدينة، إذ يكاد الجميع أن يخلص إلى أن الداخل إليها يحتاج إلى التسلح إما بالصبر أو المال، سواء كانت حاجته تتعلق بمعرفة مآل قضية أو مصير معتقل أو الحصول على شهادات أو مستندات أو الاطلاع على نتائج تخص بعض الحقوق. وسبق لعدد من المهتمين بالشأن المحلي بطنجة، أن دقوا ناقوس إنذار بخصوص تنامي ظاهرة السمسرة، التي أضحت تنخر قطاع العدالة وتضع استقلالية القضاء ومصداقيته في مهب الريح، وتتسبب في الإحباط النفسي ولكل المنخرطين في هذا القطاع، من متقاضين ومحامين وقضاة وأطر وموظفين. إكراهات وحلول من جهتها، لم تخف مصادر قضائية مسؤولة امتعاضها من الانتقادات والنعوت الموجهة للمنظومة القضائية بالمدينة، مؤكدة أن معظمها غير واقعي ويتنكر أصحابها عن قصد مع سبق الإصرار للمجهودات التي يبذلها القضاة وكثير من المسؤولين من أجل التغلب على عدد من الإكراهات والمعيقات البنيوية، المتمثلة في قلة الأطر وغياب الإمكانيات وكثرة المسؤوليات، وهي من العوامل الرئيسة التي تؤثر سلبا على مردودية القضاة، وتجعل الوظائف لا تنجز في وقتها بكيفية تحقق العدالة وتضمن الحقوق. وقالت المصادر لـ "الصباح" إن "محاربة كل الذين يعيشون في الظلام ويسعون بشتى الوسائل للإساءة للقضاء، هي مسؤولية مستعجلة لا يمكن أن تتم في ظل غياب قانون صارم يعزز الإصلاحات ويعطي مصداقية لسلطة القضاء، وتستدعي أكثر من أي وقت مضى العمل المشترك بين المجتمع المدني والتنظيمات المهنية ووسائل الإعلام وباقي الجهات الأخرى، بدلا من الوقوف ضد المؤسسات القضائية ونعتها بصفات تكون في الكثير من المناسبات غير واقعية وتحتاج إلى مراجعة... المختار الرمشي (طنجة)