- برج "سيدي بونافع" قرب باب الجياف بالمدخل الشمالي لحي الملاح لعب دورا حيويا في المراقبة والدفاع عن اليهود المغاربة تطورت التحصينات العسكرية بشكل لافت للانتباه في مختلف المراحل التاريخية، خاصة في عهد المرينيين الذين رفعوا علو وسمك الأسوار لحماية مدينة فاس من غارات العدو، بل حولوا فاس الجديد إلى ما يشبه "ثكنة عسكرية" و"تأثر البناء إلى حد كبير بظروف القذائف والأسلحة النارية"، خاصة بعدما أقر التقسيم الجديد ذاك للأدارسة، باستبدال العدوتين بكتلتي "فاس الجديد" و"فاس البالي". ولم يقتصر المرينيون على القصبات الموحدية المعدة لاستقبال الجيوش المستعدة لخوض الحروب في الأندلس، بل أنشؤوا قصباتهم وأبراجهم الخاصة، مستغلين نكبة الموحدين أمام الجيوش المسيحية بالأندلس وتراجع قوة بني عبد المومن العسكرية ونفوذها السياسي قبل تحرك قبائل زناتة بزعامة بني مرين انطلاقا من قلاعهم ومضاربهم المنتشرة بالمناطق الشرقية للمغرب، بعدما وحدت صفوفها.وفرضت الاعتبارات السياسية لصد الأخطار الخارجية وفرملة كل انتفاضة داخلية، مراعاة الشروط والضوابط الدفاعية لضمان أمن السكان وسلامتهم، إذ عمدت الدولة المرينية إلى إقامة سورين مزدوجين يمتازان بسمكهما ومتانتهما وتفصل بينهما مساحة تصل إلى 10 أمتار، تتخللها سلسلة من الأبراج ذات الزوايا القائمة، بشكل أملته الطبيعة المنبسطة التي أقيمت عليها مدينة بنو مرين.وأسهم هذا الأسلوب في التحصين في تقوية مناعة فاس وتعزيز قدراتها الدفاعية وجعلها قلعة يصعب اختراقها، في ظل تعزيز التسوير وبناء القصبات والأبراج العسكرية المشيدة ولعبت دورا إستراتيجيا في المراقبة والرصد للدفاع عن المدينة ورصد أهلة الأشهر القمرية ومعرفة الأوقات الشرعية للصلام والصوم، كما أورد ذلك محمد معنى السنوسي في كتابه "نبضات من قلب فاس". ويحوي حي فاس الجديد أو "المدينة البيضاء" كما أسماها المرينيون، نسبة مهمة من الأبراج العسكرية المشيدة بفاس العتيقة والبالغ عددها نحو 9 أبراج تضاف إليها تلك بدار دبيبغ التي كانت مبنية على أسوار قصبة دار دبيبغ التي حولها السلطان عبد الله العلوي، قصرا له، في وقت لاحق لبنائه. وبينها برج بوطويل الواقع بشارع بالاسم نفسه شرق شارع مولاي سليمان بالشرق الجنوبي للمدينة. ولعب برج "سيدي بونافع" قرب باب الجياف بالمدخل الشمالي لحي الملاح، دورا حيويا في المراقبة والدفاع عن اليهود المغاربة الذين استقروا بهذا الحي، من هجمات القبائل على المدينة خاصة في أيام "السيبة"، فيما لا تخفى الأهمية العسكرية لبناء "برج زيتون بن عطية" من قبل السلطان يعقوب بن عبد الحق المريني في سنة 681 هجرية بأعلى ارتفاع السور الجنوبي لعدوة القرويين.ورغم أن بعض المصادر تقلل من الأهمية العسكرية التي كان عليها هذا البرج المبني على يمين الطالع إلى حي باب الفتوح بجنوب المدينة بشكل مقابل لبرج الكوكب في شمالها، فإنه أضحى مزارا سياحيا، شأنه شأن البرج الجنوبي الاسم الذي أطلقه عليه الفرنسيون بدلا عن "برج باب الفتوح" و"بستيون باب الفتوح" التي سمي بهما سابقا، وقد بناه السلطان أحمد المنصور السعدي. وتذكر المصادر التاريخية أن الدولة السعدية كان لها دور في بناء عدد مهم من تلك الأبراج، بينها برج الشمال أو "برج النور" الذي كان يعرف ب"بستيون باب المحروق"، وشارك في بنائه أسرى مسيحيون بعدما أمر السلطان أحمد المنصور الذهبي بذلك. ويعتبر هذا البرج الذي استغله الفرنسيون سجنا للمقاومين المغاربة، أكثر أبراج فاس ارتفاعا وضخامة ويطل على فاس من الأعلى. ويعتبر برج باب الساكمة، الواقع أمام مخرج باب السبع بشارع المرابطين، الذي شيده السلطان الحسن الأول في نهاية القرن 19 م، من الأبراج التي طالها الإهمال بعدما تعرض جزء منه إلى التهديم خاصة في بداية الاستقلال لتوسيع الطريق، دون اعتبار لرمزيته التاريخية، وهو الحاو لبرجين ضخمين لكل منهما 8 أضلاع ما زالا قائمين إلى وقتنا الراهن بعدما فقد الأجزاء الأخرى بالهدم. الحال نفسه طال "برج الكوكب" الذي لم يعد له وجود بعد بناء برج الشمال قربه بموقع يقع بأعلى ارتفاع السور الشمالي بعدوة القرويين حيث يوجد ضريح سيدي علي المزالي، شأنه شأن "برج الذهب" الوارد ذكره والإشارة إليه في "روض النسرين" لابن الأحمر، باعتباره برجا شاهقا كان يختلف إليه السلطان أبو الحسن المريني كل اثنين وخميس لينظر في حاجيات الجند وشكواهم. ويبقى من أشهر الأبراج التي استعملت لغايات غير عسكرية أو المراقبة، "برج مرصد التوقيت" قرب جامع القرويين عند مدخل سوق الشماعين، الذي أمر بتشييده أبو عنان المريني في منتصف القرن 14 للميلاد، وكان العلماء والمراقبون يرصدون من خلاله أهلة أشهر السنة القمرية لضبط الأوقات الشرعية للعبادة، خاصة أمام توفره على أسطورلاب وساعة مائية وضعها به العالم الجاي. وكان هذا البرج الذي أهداه السلطان رشيد العلوي ساعة حائطية، ملجأ النفار والغياط، لإعلان ساعة الإفطار وصلاة الفجر وإيقاظ الصائمين لتناول وجبة السحور في شهر رمضان، قبل أن يسمح علماء القرويين باستعمال صوامع المساجد لأجل ذلك، ليكون بذلك هذا البرج الوحيد بالمدينة الذي استعمل لأغراض غير عسكرية ولعب دورا دينيا عكس باقي الأبراج الثمانية الأخرى المذكورة. حميد الأبيض (فاس)