fbpx
حوادث

دراسة في القانون : دور التشريع والقضاء في حماية حق الشغل بالمغرب(5/5)

يونس العياشييعتبر الفصل تعسفيا إذا لم تحترم شكليات الإعفاء

معلوم أن غرفة نزاعات الشغل، هي التي تعنى بحماية حق الشغل بالنسبة للأجراء، عندما يتعرضون للفصل التعسفي من قبل رب العمل عقب ممارسته لسلطته التأديبية أو التدبيرية . وقد كانت للقضاء الاجتماعي فرصة سانحة لوضع مجموعة من القواعد المعيارية للقول بأن الفصل كان تعسفيا يستلزم أساسا الإرجاع إلى العمل– حماية حق الشغل –  واحتياطيا المطالبة بالتعويض عن الفصل التعسفي سواء تعلق الأمر بالتعويضات الثلاثية أو بالمستحقات الناتجة عن العقد .
ومن بين هذه القواعد والمفاهيم ما اصطلح عليه بالاستقالة المقنعة، وهي الاستقالة التي لا تعبر عن الواقع بصدق وأمانة، وتخفي وراءها غشا وتحايلا عن القانون بغية التملص من بعض قواعده الصارمة، ونذكر  في هذا الإطار الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء المؤرخ في 25 فبراير 1987 والذي جاء فيه :»حيث إن الشركة ساومت المدعي حينما رفضت تصفية حسابها معه إلا بعد أن يستقيل من عمله لديها، وبذلك يكون أحد الأركان الجوهرية في الاستقالة الذي هو التعبير عن الإرادة بكل وضوح وحرية قد تخلف الشيء الذي جردها من كل قيمة، وأن تلك الاستقالة جاءت مقترنة بوصل تصفية الحساب وبظروف الشركة الاقتصادية، ولهذا فهي غير مجدية ومشكوك فيها …» ( الحكم منشور في مجلة المحاكم المغربية العدد 5 ).
وفي قرار صادر عن الغرفة الاجتماعية بالمجلس الأعلى – محكمة النقض حاليا- تحت عدد 575 بتاريخ 3 أبريل 1989 في الملف الاجتماعي 8600/87 :» قيام المشغل بنقل الأجير من مدينة إلى أخرى بكيفية غير مبررة، يشكل إعفاءا تعسفيا طالما أن الهدف منه هو الضغط على الأجير كي يقدم استقالته».
ومعلوم أن القضاء عندما يقول إن الفصل كان تعسفيا، يجب أن يلتزم بطلبات الأجير، والذي عادة ما يطالب أساسا بالرجوع إلى العمل واحتياطيا الحصول على تعويض عن الفصل التعسفي، ويكون لقضاة الموضوع الخيار بين الحكم بإرجاع الأجير وبين الحكم بالتعويض عن الطرد التعسفي من غير أن يكونوا ملزمين بتعليل هذا الخيار أو ذاك، وفي هذا الإطار جاء في قرار للغرفة الاجتماعية بالمجلس الأعلى – محكمة النقض حاليا – رقم 720 بتاريخ 1989 في الملف الاجتماعي عدد 8656/87 : « إن لقضاة الموضوع الخيار بين الحكم بإرجاع الأجير وبين الحكم بالتعويض عن الطرد التعسفي من غير أن يكونوا ملزمين بتعليل اختيارهم «.
ويعتبر الفصل تعسفيا ولو كان يستند لمبرر مشروع لمجرد عدم احترام شكليات الإعفاء والمقررة في المادة 61 و62 و63 من مدونة الشغل.
إلا أنه وللأسف وبالرغم من المجهودات التي يبدلها القضاء الاجتماعي في الحفاظ على استقرار علاقات الشغل والحفاظ على حق الأجراء في الشغل، فإن هذه المجهودات تبقى عاجزة أمام تعنت رب العمل في تنفيذ مقتضيات الحكم القاضي بالإرجاع، ونبرر ذلك بخصوصية المقاولة المغربية التي في معظمها مقاولات صغيرة ومتوسطة يغلب عليها الطابع العائلي.
ومعنى هذا أن الحكم بالإرجاع إلى العمل يمكن تصور تنفيذه في مواجهة المقاولات ذات الطبيعة المؤسساتية، كما هو الحال بالنسبة لبعض شركات المساهمة  التي تعمل  بمجلس إدارة جماعية ومجلس للرقابة (اتصالات المغرب – بريد المغرب – البنوك )، لأن الحكم يكون في مواجهة شخص اعتباري وليس  شخص طبيعي له من الأحاسيس والمشاعر تجعله يحس، بأن تنفيذ الحكم بالإرجاع إلى العمل رغم أنفه مس بأهم سلطة لديه وهي سلطته في التأديب.
2/ دور القضاء التجاري في حماية حق الشغل لدى الأجراء
يعتبر مخطط الاستمرارية أحد مراحل التسوية القضائية أو التصحيح القضائي يحكم بها من قبل المحكمة التجارية متى كانت وضعية المقاولة  غير مختلة بشكل لا رجعة فيه. ويشترط للحكم بالتسوية القضائية توفر شرطان منصوص عليهما في المادة 592 من مدونة التجارة، وهما أن تكون هناك إمكانية جدية لتسوية  أو تصحيح المقاولة، وأن تكون هناك إمكانية جدية لسداد خصوم المقاولة.
والأحكام القضائية في موضوع الاستمرارية كثيرة، نذكر منها الحكم عدد 0010 -2002-60 الصادر عن المحكمة التجارية بفاس بتاريخ 27/2/2002  في قضية فندق عمروس والذي اقترح فيه القاضي المنتدب على المحكمة استمرارية الشركة مع تغيير شكلها القانوني من شركة مجهولة الاسم إلى شركة محدودة المسؤولية بمسير وحيد، بحيث أوضح رئيس المقاولة وأبدى استعداده لتنفيذ مخطط الاستمرارية.
وفي الاتجاه نفسه ذهبت المحكمة التجارية بالرباط من خلال حكمين الأول تحت عدد 113 صادر بتاريخ 15/6/2005 في الملف عدد5/8/2002، والثاني تحت عدد137 صادر بتاريخ 13/2/2005 في الملف عدد 14/20/2005.
وإذا كان مخطط الاستمرارية يسمح بإبقاء المقاولة في يد مالكها الأصلي، فإن مخطط التفويت ينقلها إلى الغير.
وسواء تعلق الأمر بقرار الاستمرارية أو التفويت، فإن القصد من ذلك هو حماية الاقتصاد الوطني وحماية الأجراء ودعم حقهم في الشغل، ذلك الدعم الذي يستمر حتى أثناء التصفية القضائية تماما، كما وقع مع شركة «جينيرال تاير» والذي اقترح وقتها السنديك استمرار الإنتاج لمدة 6 أشهر إلى سنة حتى يتم استغلال المواد الأولية المتوفرة في الخازن.
ثانيا :  دور القضاء الجنائي في حماية حق الشغل بالمقاولة المغربية.
لا يمكن دراسة ما تضمنه الفصل 288 من القانون الجنائي بمعزل  عن المقتضيات الواردة في المادة 9 من مدونة الشغل، والتي نصت صراحة على أنه يمنع كل مس بالحريات والحقوق المتعلقة بالممارسة النقابية داخل المقاولة وفق القوانين والأنظمة الجاري بها العمل، كما يمنع كل مس بحرية العمل بالنسبة للشغل وللأجراء المنتمين للمقاولة.
والقضاء الجنائي يحمي حق الشغل بالنسبة للأجراء غير المضربين، ويحمي بذلك حق الملكية وحق المبادرة الخاصة كحقين دستوريين، ويمكن تحديد العناصر التكوينية لهذه الجريمة فيما يلي :
– أفعال الإيذاء أو العنف أو التهديد أو وسائل التدليس وهي تشكل الركن المادي في الجريمة.
– وجود علاقة سببية بين هذه الأفعال وبين التوقف الجماعي عن العمل أو على الأقل، بين الأفعال وبين محاولة ترمي إلى الوصول إلى هذا التوقف أو الاستمرار فيه. ومعنى هذا أن النص يعاقب على المحاولة وليس فقط الجريمة التامة.
– أن يكون الهدف المتوخى هو الإجبار على رفع الأجور أو خفضها أو الإضرار بحرية الصناعة أو العمل.
– النية الجرمية وهي التي تشكل الركن المعنوي في الجريمة.
والأحكام القضائية الصادرة في إطار الفصل 288 من (ق ج) كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، حكم حديث غير منشور، عدد 2662 صادر بتاريخ 16/04/2014 عن المحكمة الابتدائية بالقنيطرة في الملف جنحي عادي عدد7489/2012 والقاضي بإدانة المتهمين من أجل عرقلة حرية العمل وحيازة سلاح دون مبرر مشروع والضرب والجرح بسلاح، والحكم عليهما بشهرين حبسا موقوف التنفيذ وغرامة نافذة قدرها 500 درهم مع الصائر والإجبار في الأدنى، علما أن القضاء الاستعجالي بدوره يلعب دورا مهما بدوره في حماية حق الشغل.

بقلم: يونس العياشي,نائب وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالقنيطرة
دكتور في الحقوق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق