fbpx
منبر

هامشية الجزائر والانفصاليين

قرار مجلس الأمن 2654 يعتبر مبادرة الحكم الذاتي المرجعية الأكثر واقعية لحل نزاع الصحراء

عادل بن حمزة*

تلقت الجزائر، ومعها جبهة “بوليساريو”، بكثير من الصدمة، القرار الجديد لمجلس الأمن الدولي الخاص بالنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية رقم 2654، إذ أكد القرار مجددا، على أن مبادرة الحكم الذاتي تعد المرجعية الأكثر واقعية لحل النزاع المفتعل من خلال إشارته إلى التطورات التي عرفها النزاع منذ 2006، حيث يتوافق هذا التاريخ مع مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب منذ 2007، والتي حظيت بدعم واسع من المنتظم الدولي.

الجزائر راهنت منذ سنوات على الزمن لإفراغ المبادرة المغربية من محتواها، كما أن نخبتها الحاكمة لم تستطع تغيير منظارها لقضية الصحراء المغربية باعتبارها واحدة من مخلفات الحرب الباردة، وذلك راجع إلى أن نظامها الحاكم لم يعرف سوى تغييرات شكلية تهم الوجوه، لكن عقيدة العداء للمغرب لم تتغير لأن جيل بومدين نفسه ما زال في سدة الحكم إلى اليوم، سواء من خلال الواجهة المدنية التي يمثلها الرئيس عبد المجيد تبون، أو البنية العميقة التي يمثلها قائد الأركان الجنرال شنقريحة.

هذه النخبة الحاكمة كانت تراهن على الوضعية الدولية الحالية المتأثرة بالحرب الروسية في أوكرانيا وأزمة الطاقة العالمية، للتأثير على مواقف بعض الدول الأعضاء في مجلس الأمن بما يخدم وجهة النظر الجزائرية، لكن خيبة الأمل كانت واضحة فيما نشرته جريدة “الشروق” المقربة من النظام، التي تأسفت للموقف الفرنسي المساند لقرار مجلس الأمن 2654، فضعف التفكير الإستراتيجي لدى النخبة الجزائرية يجعلها تعتقد أن زيارة ماكرون ونصف الحكومة الفرنسية المضغوطة بضرورة البحث عن بديل للغاز الروسي للجزائر، كفيل لوحده بإحداث قطيعة جذرية بين باريس والرباط تتجلى في موقف فرنسي مفترض يتطابق مع وجهة النظر الجزائرية في قضية الصحراء. هذا السلوك الجزائري نفسه، وإن بتوتر أكبر، كان في السابق مع إسبانيا بسبب موقفها التاريخي من قضية الصحراء ويتكرر اليوم بصيغة أخرى مع فرنسا.

ورغم ما يظهره ذلك من هوس جزائري بقضية الصحراء المغربية، فإن النظام الحاكم في الجزائر لا يخجل من تكرار الحديث عن الحياد وأن الجزائر ليست طرفا في النزاع…

قرار مجلس الأمن 2654 مثل خيبة أمل للجزائر لعدة اعتبارات، أولها أن حليفتها الإستراتيجية روسيا لم ترفض القرار، على غرار القرار السابق 2602. ويظهر أن موقف المغرب المتوازن في قضية الحرب الروسية في أوكرانيا يعطي نتائج جيدة، فموسكو اكتفت فقط بالامتناع، وهو ما يجعل القرار يحظى بشبه إجماع دولي. الأمر الثاني، هو تأثير الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها حاملة القلم على مضمون القرارات الأخيرة لمجلس الأمن، سواء من جهة أولى اعتبار مبادرة الحكم الذاتي المرجعية الواقعية لحل النزاع، أو التأكيد على أن الجزائر طرف أساسي في النزاع، من جهة ثانية. لذلك فهي مدعوة للمشاركة في الموائد المستديرة، ومن جهة ثالثة إدانة جبهة البوليساريو لإخلالها العلني والصريح بالاتفاقيات العسكرية ولوقف إطلاق النار من خلال حرب تحرير وهمية لا توجد سوى في بيانات الجبهة ووسائل البروبغندا الجزائرية العتيقة على الطريقة السوفياتية، تعبيرا عن اليأس والفشل وعدم القدرة على قراءة منتجة للتاريخ وللتحولات التي يعرفها العالم، والتي تحتاج أكثر إلى تكتلات إقليمية متضامنة ومتكاملة.

قد لا يهم الالتفات لموقف جبهة “بوليساريو” من قرار مجلس الأمن، على اعتبار أنها ينطبق عليها المثل القائل “الطيور على أشكالها تقع”، فالجبهة كانت دائما رجع صدى لما يقرر في قصر المرادية. هذا الأمر لا يمثل قناعة مغربية باعتباره صاحب القضية الأصلي، لكنها قناعة يتقاسمها أعضاء مجلس الأمن الدولي من خلال تأكيدهم في كل قرار على أن الجزائر طرف رئيسي في النزاع المفتعل. الجزائر، وبعد أيام على صدور قرار مجلس الأمن، عبرت عن خيبة أملها صراحة في بلاغ للخارجية الجزائرية تماما كما فعلت مع القرار 2602 من خلال بلاغ/فضيحة لوزارة الخارجية الجزائرية آنذاك. جبهة “بوليساريو” أيضا لم تستطع أن تخفي خيبتها عبر بلاغ يعيد إنتاج المفردات والتعابير المتوارثة نفسها عن زمن الحرب الباردة وعن الحركات التحررية الحقيقية التي استطاعت فعليا تحقيق مطالبها لأنها كانت عادلة وتتوافق مع منطق التاريخ، بينما فشلت الجبهة الانفصالية لأنها كانت دائما أداة لمحاربة المغرب، مرة في يد العقيد الراحل معمر القذافي وتارة في يد العقيد هواري بومدين ومن تلاه في حكم الجزائر، هكذا كانت جبهة “بوليساريو” أكثر من قدم غطاء لأكبر عملية اختطاف أسرى في التاريخ يوجدون إلى اليوم في مخيمات تندوف لأزيد من أربعة عقود في ظروف قاسية ولا يتمتعون بالحد الأدنى من حقوق اللاجئين، بل إن الجزائر التي تتباكى على حق تقرير المصير، ترفض إلى اليوم الالتزام بقرارات مجلس الأمن بخصوص إحصاء المحتجزين فقط… “بوليساريو” اليوم ترتمي في أحضان “آيات الله” في طهران وعميلها الإقليمي حزب الله وتلك حكاية أخرى.

* باحث


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى