fbpx
حوادث

محكمة النقض وحرية الصحافة … جنحة القذف نموذجا

تعتبر حرية الصحافة أساسا لنبض الحياة داخل المجتمعات الديمقراطية، ومقياسا لتقدمها وانفتاحها من خلال توفير آليات الولوج إلى المعلومة وتداولها بشكل يضمن حق المواطنين في الإطلاع على ما يجري داخل مجتمعهم. ومن ثمة فإن المغرب عمل على تكريس الضمانات المتعلقة بحرية الصحافة من خلال دستور سنة 2011  الذي يعكس حقيقة الارتقاء بها، لأن الحق في المعلومة أصبح من بين أهم الحقوق التي يقع على عاتق الدول احترامها وتوفير كافة الضمانات القضائية لحمايتها، وذلك لأنه من بين أهم الحقوق الإنسانية التي تدور في فلك حماية ذاتية الإنسان بغض النظر عن جنسيته، أو لونه أو لغته.

بقلم: الدكتـور حسـن فتـوخ*

محكمة النقض وحرية الصحافة … جنحة القذف نموذجا

المحكمة لها حق تكييف الوقائع المعروضة دون أن تتقيد بما تحيله عليها النيابة العامة

إذا كان الفصل 72 من القانون المذكور قبل تعديله ينص على أنه «يتضمن طلب الحضور التهمة الموجهة وتحديد صفتها … إلخ»، فإن المقصود بطلب الحضور هو الاستدعاء وليس طلب الإدعاء كما ورد في الوسيلة… ومن جهة أخرى ولما كانت المتابعة تؤسس لقبولها على الاستدعاء المتضمن للبيانات الواجبة تحت طائلة البطلان، فإن بطلان هذا الاستدعاء يؤدي حتما إلى بطلان المتابعة وتبعا لذلك، فإن محكمة الدرجة الثانية عندما قضت ببطلان المتابعة، بعدما تأكد لها أن الاستدعاء لم يكن متوفرا على البيانات المشار إليها، تكون قد طبقت مقتضيات الفصلين المحتج بهما تطبيقا سليما، فجاء قرارها معللا ومؤسسا والوسيلة على غير أساس.

3 – توجيه الاستدعاء من قبل رئيس كتابة الضبط يترتب عنه عدم قبول الشكاية المباشرة:
يثار النقاش حول الجهة التي تسهر على تبليغ الاستدعاء الوارد في الفصل 72 إلى المتهم، هل هي جهة النيابة العامة أم جهة رئيس مصلحة كتابة الضبط، وما أثر ذلك أيضا على مآل المتابعة برمتها؟
يجيبنا العمل القضائي من خلال أحد القرارات مؤكدا ما يلي:

« … وحيث إنه بعد عرض القضية على أنظار المحكمة الابتدائية أصدرت الحكم المشار إلى ديباجته بهذا القرار…والمطعون فيه بالاستئناف من قبل دفاع المشتكي بالمطالب بالحق المدني ودفاع المتهم وقضت محكمة الاستئناف بتأييد الحكم المستأنف مع تخفيض مبلغ الغرامة المحكوم بها في حق المشتكى به إلى ( 10.000 درهم) نافدة مع الصائر وفي الدعوى المدنية التابعة برفع مبلغ التعويض المحكوم به ابتدائيا إلى مبلغ 200.000,00 درهم، وإقراره في الباقي وتحميل المشتكى به الصائر، وهو القرار الذي تم نقضه من قبل المجلس الأعلى بعلة أن المادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية تفرق بين إقامة الدعوى العمومية ومباشرتها، إذ تشير إلى أن الدعوى العمومية يقيمها ويمارسها قضاة النيابة العامة، بينما الموظفون المكلفون بذلك قانونا والطرف المدني يقيمونها فقط طبقا للشروط المحددة في القانون، وبذلك يكون القرار عن الدفع المتعلق بتوجيه الاستدعاء من قبل رئيس كتابة الضبط وليس من قبل وكيل الملك جوابا ناشرا وتحريفا للنصوص القانونية المشار إليها أعلاه مما يستوجب نقضه. وحيث إن محكمة النقض إذا بتت في نقطة قانونية وجب على محكمة الإحالة أن تتقيد بالنقطة التي بتت فيها.

وحيث إن الشكاية المباشرة قدمت من قبل دفاع الطرف المدني ضد المتهم في إطار الفصول 38، و42، و44، و47، و48، و67 من قانون الصحافة، والفصول 442، 443، و444 من القانون الجنائي.
وحيث إنه خلال جريان المسطرة أمام المحكمة الابتدائية تم توجيه الاستدعاء للمتهم من قبل رئيس كتابة الضبط وليس من قبل النيابة العامة.
وحيث إنه كان من الأجدر أن توجه الاستدعاء من قبل النيابة العامة بصفتها الممارسة للدعوى العمومية، أما الطرف المدني فله حق إقامتها وفقا للشروط المحددة قانونا لذلك (الفصل 36) من قانون المسطرة الجنائية.

وحيث إن الفصل 72 من قانون الصحافة رتب جزاء البطلان للاستدعاء الغير المحترم للشروط المحددة فيه.

وحيث إن ما بني على باطل فهو باطل. وحيث إنه تبعا لذلك يتعين إلغاء الحكم المستأنف فيما قضى به، والحكم تصديا بعدم قبول الشكاية المباشرة».
وتأكيدا للمنحى نفسه، شددت محكمة النقض في حيثيات أحد قراراتها، على ضرورة احترام حقوق الدفاع المكفولة قانونا، تحت طائلة ترتيب جزاء بطلان الإجراءات الخارقة للقانون من خلال اشتراطها لما يلي: « لصحة المتابعة في القضايا المتعلقة بالصحافة، يلزم احترام الشكليات القانونية الخاصة بتحريك الدعوى حسب مقتضيات الفصل 72  من قانون الصحافة، والتي تقضي بأن الدعوى العمومية تحرك باستدعاء تبلغه النيابة العامة أو الطرف المدني قبل تاريخ الجلسة بخمسة عشر يوما على الأقل، على أن يتضمن البيانات القانونية وإلا ترتب على ذلك بطلانه بشكل إلزامي «.

4 – مدى تقيد محكمة الموضوع بالمتابعة المسطرة من طرف وكيل الملك أو تلك الواردة بالشكاية المباشرة.

لما تضع محكمة الموضوع يدها على القضية بناء على متابعة من قبل النيابة العامة، فإنها لا تكون ملزمة بالجنح موضوع الدعوى العمومية التي تم تحريكها المسطرة في صك المتابعة، على اعتبار أن المحكمة لها حق تكييف الوقائع المعروضة عليها التكييف السليم ولا تتقيد بما تحيله عليها النيابة العامة من متابعات، بل تطبق عليها النص القانوني الواجب التطبيق والنموذج القانوني المطابق لتلك الوقائع.

 وقد أكدت محكمة النقض هذا التوجه من خلال أحد قراراتها، معتبرة أن محكمة الاستئناف لما أعادت التكييف وخلصت إلى أن وقائع القضية تنطبق عليها العناصر التكوينية لجنحة نشر وإذاعة بواسطة الخطب في أماكن عمومية تخـل بالنظام العام، وتثير الفـزع بين الناس طبقا للفصلين 38 و 42 من قانون الصحافـة والنشر الصادر بتنفيذه ظهير 15/11/1958 وقضت بمؤاخذة الظنين من أجل ذلك، لم تبرز معه العناصر الواقعية والقانونية للجنحة التي أدانت بها العارض وفق ما يقتضيه الفصلان 38 و42 من قانون الصحافة، بما في ذلك بيان الادعاءات التي نسبت إلى الظنين نشرها وسوء نيته في القيام بهذا الفعل وما نتج عنه من إخلال بالنظام العام وما أثاره من فزع بين الناس، الأمر الذي جاء معه قرارها قاصر التعليل المنزل منزلة انعدامه ومعرضا للنقض والإبطال.

ومن جهة أخرى، فإن محكمة الموضوع لها الصلاحية نفسها في إعادة التكييف ولو تعلق الأمر بشكاية مباشرة بشأن جريمة من جرائم الصحافة حسب ما كرسته محكمة النقض في أحد قراراتها التي اعتبرت بمقتضاه أن « إعادة تكييف المحكمة للأفعال المنسوبة للطاعن واعتباره مشاركا لا فاعلا أصليا رغم أن الشكاية المباشرة لم تنص على ذلك، ليس فيه أي مساس بمبدأ الحياد، ما دام أنها لم تشدد من وضعية الطاعن ولم تضف أي أفعال أو وقائع أخرى لم تتضمنها الشكاية المباشرة، وبذلك فالقرار المطعون فيه لم يخرق أي مقتضى قانوني والوسيلة على غير أساس «.

5 –  متابعة المشارك في جرائم الصحافة أو إدانته غير مشروطة بمتابعة الفاعل الأصلي من بين أهم الخصوصيات المشاركة في جرائم الصحافة لا تخضع للمقتضيات العامة المنظمة لصور المشاركة المنصوص عليها في الفصل 129 من القانون الجنائي، وإنما تطبق عليها المادة 68 من قانون الصحافة التي لا تشترط متابعة الفاعل حتى يتسنى معاقبة المشارك.

* مستشار بمحكمة النقض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى