قاعة وحيدة وشقوق بالجدران وقضاة يقضون حاجاتهم في مراحيض المقاهي المجاورة تشوه بناية المحكمة الابتدائية باليوسفية سمعة القضاء، وتعتبر حالة نشاز وتجعل النقاش حول إصلاح العدالة والمنظومة القضائية، دون معنى إن لم يواكبه إعداد الفضاءات لمزاولة العمل القضائي، في ظروف ملائمة، إذ لا يمكن وصف الساعات التي يقضيها المتقاضون والقضاة ومساعدوهم بفضاء هذه البناية ، سوى بساعات الجحيم، على حد وصف مصدر حقوقي. في عز الصخب الذي أثير حول إصلاح العدالة، والنقاش الدائر بين مختلف المتدخلين من أجل بلورة شروطه، تنتصب بناية المحكمة الابتدائية باليوسفية، شاهدة على عقم هذا النقاش «إذ لا يمكن أن نتصور إصلاحا حقيقيا للعدالة في ظل محاكم تفتقد لأبسط الشروط الواجب توفرها في مثل هذا المرفق، فحالة ابتدائية اليوسفية، أكبر شاهد على أن القضاء ليس بأحسن حال، إذ رغم تعاقب الوزراء والمسؤولين المركزيين، فإن هذه البناية ظلت حالة نشازا بين كل البنايات العمومية بالمدينة»، يقول مصدر قضائي.ويضيف المتحدث ذاته، «الإصلاح يبدأ من هنا، إذا لم يتم توفير ظروف عمل مريحة لا يمكن لنا نتحدث عن جودة الأحكام، أو غيرها من الشعارات التي يرفعها المسؤولون».كل الشهادات التي استقتها «الصباح»، سواء من المتقاضين أو الموظفين بكتابة الضبط أو المحامين، أجمعت على استيائهم من الوضيعة التي توجد عليها بناية هذه المحكمة، وتلكؤ الوزارة منذ عقود في إخراج بناية بمواصفات عصرية تصون كرامة القاضي والمتقاضين، وتصون قبل ذلك سمعة القضاء المغربي. «فأي تصور يمكن أن تتركه بناية وفضاء هذه المحكمة، لمحام أجنبي كتب له أن زارها، وأي انطباع تتركه حالة هذه المحكمة في نفوس المتقاضين الأجانب؟»، يتساءل أحد المحامين بحرقة بالغة.وأورد المتحدث نفسه، حالة مواطن فرنسي، اضطرت هيأة الحكم إلى نقله إلى السجن المدني بآسفي، لمتابعته في حالة اعتقال، على خلفية حادثة سير مميتة، عوضا عن إيداعه إسطبلا للبغال والحمير كان يودع به المعتقلون، لكنها لم تجد مخرجا من محاكمته في فضاء هذه المحكمة».فالمحكمة الابتدائية باليوسفية، لا تتوفر سوى على قاعة وحيدة للجلسات بالكاد تتسع ل 30 شخصا، إذ تكتظ عن آخرها، وتجد رئاسة المحكمة، صعوبة كبيرة في برمجة الجلسات، على اعتبار أن القضاة جميعهم يتناوبون على هذه القاعة.«لا يمكن لنا نتصور قاعة وحيدة، تعقد فيها أكثر من ثلاث جلسات في اليوم الواحد، إذ يعقد بها السير والجنحي العادي والجنحي التلبسي»، يقول عضو بالنقابة الديمقراطية للعدل.وتشير مصادر حقوقية، إلى أن المتضرر من هذا الوضع هو المواطن، إذ تجد العشرات من المواطنين أمام بوابة المحكمة ينتظرون دورهم للولوج، بحكم الاكتظاظ الذي تعرفه بنايتها. قاعة وحيدة وقضايا بالجملة يجد رجال الأمن صعوبة كبيرة في تنظيم ولوج المتقاضين إلى قاعة الجلسات، نظرا لضيقها وكثرة المتقاضين والملفات المعروضة على محكمة يتسع نفوذها ل11 جماعة بإقليم اليوسفية.وإذا كان هذا هو حال القاعة الوحيدة للجلسات التي تطل على أحد الشوارع الذي يعرف اكتظاظا كبيرا لحركة المرور، فإن الفضاء المخصص للشهود، لا يعدو أن يكون مرآبا يطل على أحد شوارع المدينة هو الآخر.ويتذكر أحد المتقاضين، حالة شاهد طلبت منه هيأة الحكم، الانتظار بالفضاء المخصص للشهود، غير أن لفحات الشمس الحارقة، جعلته يغادر المحكمة من باب المرآب.ليس ضيق الفضاء وغياب قاعات للجلسات وحده، ما يؤرق حال المتقاضين بابتدائية باليوسفية، فحتى الخوف على مصير ملفاتهم خلال فصل الشتاء ينضاف إلى قائمة المعاناة.يشرح عضو بالمكتب الجهوي للنقابة الوطنية للعدل ذلك بالقول «خلال فصل الشتاء، تكون المعاناة أكبر، فأسقف البناية تعرف تسرب المياه إلى المكاتب، والمياه تغمر أغلبها، إذ تجد في أحايين كثيرة ملفات عدة وقد غمرتها المياه، وهو أمر أصبح معه بعض المتقاضين يتوسلون إلى الموظفين بوضع ملفاتهم في أماكن آمنة خوفا من أن تغمرها المياه «إنها صورة قاتمة لوضع كارثي بهذه المحكمة»، يؤكد المصدر. الشعب يريد .. محكمة جديدة وتؤكد العديد من الآراء والتصريحات التي استقتها «الصباح» من مصادر مطلعة، أنه في ظل استحسان ورضا المتقاضين على السرعة في معالجة القضايا والملفات والتطور الملموس الذي عرفه الجهاز القضائي بالمدينة، من خلال التعاطي مع الملفات المعروضة عليه، وكذا جودة الأحكام والسهر على تفعيل القانون، فإن الجهات الوصية على القطاع لا بد أن تتحرك من أجل الإسراع بخلق بناية تليق بالقضاء.وتشير مصادر نقابية، إلى أنه رغم المجهودات الذي بذلها رئيس المحكمة، منذ تعيينه، قبل شهور، من أجل إعادة ترتيب مكتب الأرشيف وإدخال بعض الإصلاحات على بعض الأقسام، فإن كل تلك المجهودات لا يمكنها أن تغير صورة واقع يأبى الارتفاع. ويشار إلى أن هذه البناية كانت مخصصة، فيما قبل للنادي النسوي وتعود ملكيتها للمجلس البلدي، علما أن وزارة العدل أن اقتنت بقعة أرضية لإقامة بناية للمحكمة الابتدائية بمواصفات عصرية، غير أن هذا المشروع تأخر في الخروج إلى العلن، لتستمر بذلك معاناة المتقاضين والقضاة ومساعديهم. شقوق وخوف من انهيار البناية ظهرت عدة شقوق بمكاتب القضاة ومعهم الموظفون في كتابة الضبط، إذ أصبح خطر انهيار أسقف مكاتب البناية، يهدد حياة العاملين بها وكذا المتقاضين، في ظل صمت مطبق من قبل الوزارة الوصية على القطاع.وتتحول ساحة المحكمة خلال فصل الشتاء إلى برك مائية، في حين أن حالة المراحيض تثير الشفقة، نظرا لانعدام صنابير المياه بها واختناق قنوات مجاري شبكة الصرف الصحي التي تآكلت، وهو ما يفرض على مختلف العاملين بهذه المحكمة، التوجه صوب المقاهي.وتفتقد بناية المحكمة، إلى مقصف ومسجد وخزانة وغيرها من الفضاءات التي تتوفر عليها محاكم أخرى، هذا دون الحديث عن الافتقاد إلى قسم للمعلوميات، على اعتبار أن المحكمة تفتقد إلى الربط بشبكة الأنترنيت، وغياب الأجهزة الإلكترونية الحديثة التي استفادت منها مختلف محاكم المملكة، بالإضافة إلى الإنقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، والتي تتسبب في إتلاف أجهزة الحواسيب. ويؤكد رضوان العيروكي، عضو المكتب الوطني للنقابة الديمقراطية للعدل العضو بالفدرالية الديمقراطة للشغل، أن «وضعية بناية المحكمة الابتدائية باليوسفية هي حقا وضعية كارثية لا تليق بالعدالة والقضاء، علما أنها آيلة للسقوط وتهدد العاملين بها في أي لحظة».وأضاف في حديثه إلى «الصباح»، «نحن نستغرب أنه في زمن يتم فيه الحديث عن فتح أوراش إصلاح القضاء وخوض معركة البناء الديمقراطي الحداثي ودولة القانون والمؤسسات القائم على ترسيخ قيم العدل والمساواة وحقوق الإنسان، وإيجاد البنيات التحتية الملائمة، لا زالت وضعية بناية المحكمة الإبتدائية باليوسفية كارثية لا تليق بالعدالة والقضاء».وأشار العيروكي، إلى أن اتساع الرقعة الجغرافية للمحكمة الابتدائية باليوسفية واحتضانها لأربع ضابطات قضائية، يفرض على الوزارة المعنية إحداث بناية تليق بالقضاء وتستعمل الطرق الحديثة من أجل تسهيل عمل الموظفين من جهة وتبسيط إجراءات المتقاضين من جهة ثانية. محمد العوال (آسفي)