الصباح السياسي

سليمي: “البام” وقع في منزلق حين أعلن مواجهة العدالة والتنمية

المحلل السياسي قال إن حزب الاستقلال يحس بمخاطر الانتقال والتحول

يقول عبد الرحيم منار سليمي، المحلل السياسي، في الحوار التالي، إن عدم دخول العدالة والتنمية إلى مراكز القرار الحكومي على الأقل، جعله يتحول إلى حزب سياسي يشتغل بأسلوب الحركة الاحتجاجية، وهو ما يفسر كل السلوكات التي

يفرزها اليوم في الميدان. ويضيف، أستاذ العلوم السياسية، أن “البام”، جاء ليملأ الفراغ، ويُعيد بناء التوازنات، في الوقت الذي لا تزال هناك بنيات حزبية ضعفت وتتمسك باستمرار المشهد السياسي على حاله. ويبرز المتحدث أن الجيل القديم من النخب الحزبية عاشت على ما يسمى الاستقرار الحزبي والانتخابي والحكومي، وهي مسألة كانت “طبيعية” إلى حدود سنة 2002، أما الآن، فقد تغيرت المعطيات، وتعقد المشهد الاجتماعي والاقتصادي، وظهرت العديد من المخاطر على مستوى توازنات الدولة التي تحتاج إلى نخب سياسية جديدة وحاملة لمشروع جديد.

تميز المشهد السياسي، في الفترة الأخيرة، باتهامات العدالة والتنمية لـ «البام» بمحاربته بكل الوسائل الممكنة، كما يتهمه بزعزعة المشهد السياسي، من خلال سعيه إلى تفكيك التحالفات في العديد من المدن، في أفق التضييق على العدالة والتنمية وإخراجه من  التسيير في عدد من المدن، كيف تقيمون هذا الوضع، خاصة في ظل التصعيد الذي ميز هذه المواجهة بين الطرفين، على إثر التصريحات النارية لبنكيران ضد حزب الأصالة والمعاصرة؟
يبدو أن تحليل المعطيات الميدانية للصراع بين حزبي الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية، يقدم نوعين من التفسيرات:
التفسير الاول، مرتبط بالتطور السياسي والتنظيمي لحزب العدالة والتنمية، الذي يُبين أن أقصى مرحلة من القوة وصلها هذا الحزب تجسدت في نتائج انتخابات 2007، وبالتالي، فالوصول إلى هذا السقف، كحد أقصى من التطور كان من الطبيعي جدا أن يفرز لنا، بعد ذلك، العديد من الظواهر المتمثلة في مطالب من داخل الحزب ذاته بضرورة استيعاب نخبه مؤسساتيا، وأقصد هنا المشاركة في التسيير داخل مؤسسات اتخاذ القرار، لأن من الصعب أن يستمر الحزب بالشكل التنظيمي والسياسي نفسه دون أن يحول نتائجه الانتخابية ويجربها داخل العمل في مؤسسات اتخاذ القرار (وزارات، مؤسسات عمومية، مجالس جماعية …).
لماذا هذا التفسير؟ لأن الكثير يتعامل مع العدالة والتنمية “كملاك سياسي”، العدالة والتنمية حزب سياسي عاد يحقق نتائج، وموارده البشرية تتطلع إلى التسيير والارتقاء السياسي في مراكز القرار، وبالتالي، فان عدم دخول العدالة والتنمية إلى مراكز القرار الحكومي على الأقل، كان من الطبيعي أن يحوله إلى حزب سياسي يشتغل بأسلوب الحركة الاحتجاجية، وهو ما يشرح كل السلوكات التي يفرزها اليوم في الميدان .
التفسير الثاني، مرتبط بميلاد وتطور حزب الأصالة والمعاصرة، الذي جاء نتيجة فراغ ما بعد 2007، فراغ بالمعنى الحزبي التوازني، وهنا أوضح، أن الكثير يعتقد أن ميلاد حزب الأصالة والمعاصرة هو ناتج عن “فسحة سياسية”، وهو اعتقاد خاطئ، لأن الأصالة والمعاصرة ولد لإعادة بناء التوازنات داخل الدولة، وهي ظاهرة طبيعية في كل الدول لما تحس بمخاطر التوازن وإمكانية حدوث فراغ نتيجة حدوث فوارق بين إيقاع الدولة ومطالب المجتمع وسقف تفكير الأحزاب، التي لم تعد قادرة بعد 2007 على الاشتغال بالوتيرة التوازنية نفسها التي اشتغلت بها منذ الستينات.  
لكن، أعتقد أن “الانزلاق” الذي وقع هو إعلان الأصالة والمعاصرة مباشرة أنه في مواجهة مع العدالة والتنمية، وأن التحالفات معه هي خطوط حمراء ، وهو ما يحاول اليوم تجسيده في المجالس الجماعية، بفك كل التحالفات المحلية التي فرضت على الحزب بعد انتخابات 2009، وبالتالي فالانزلاق الذي وقع في التواصل السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة خلق الاعتقاد أن وظيفته هي مواجهة العدالة والتنمية، وهي المسالة التي يجيد حزب العدالة والتنمية توظيفها منذ الاحتجاج على نتائج الانتخابات الجماعية لسنة 2009.
ويبدو أن تقييم هذا الصراع يجب أن يتجاوز الفاعلين (البام، والعدالة والتنمية)، ويبنى انطلاقا من التوازن المؤسساتي للدولة، لأن ما يلاحظ هو أن الصراع يخفي إشكالية كبرى في الدولة تتمثل في إعادة رسم قواعد اللعبة السياسية، بدخول جيل جديد من الأحزاب السياسية والتثبيت السياسي لمكتسبات الانتقال منذ سنة 2002، وبناء التغيير الممكن في 2012 الموجه لمغرب 2017، وهي المسالة التي يبدو أن العديد من الأحزاب لم تستوعبها.

بعض الملاحظين يعتبرون أن»الحرب» التي يشنها الأصالة والمعاصرة ضد العدالة والتنمية، بدعم خفي أو معلن من الداخلية، تشكل خطرا على المسار الديمقراطي، ما رأيكم؟ وكيف تفسرون دخول حزب الاستقلال بدوره، على خط المواجهة مع “البام”؟
اعتقد أنه يجب التمييز بين العواطف السياسية وخطاب الحماسة وبين العمل السياسي، إذ يلاحظ أن الحقل الحزبي في لحظات ضعفه يبدأ في إنتاج هذا النوع من الخطابات، فالبام، وهذا واضح منذ ميلاده، جاء ليملأ الفراغ، ويُعيد بناء التوازنات، مقابل ذلك، هناك بنيات حزبية ضعفت ومازالت تتمسك باستمرار المشهد السياسي على حاله، فالجيل القديم من النخب الحزبية عاشت على ما يسمى الاستقرار الحزبي والانتخابي والحكومي، وهي مسألة كانت “طبيعية” إلى حدود سنة 2002، أما الآن، فقد تغيرت المعطيات، وتعقد المشهد الاجتماعي والاقتصادي، وظهرت العديد من المخاطر على مستوى توازنات الدولة التي تحتاج إلى نخب سياسية جديدة وحاملة لمشروع جديد، فسؤال التمثيلية مازال مطروحا داخل المغرب، وهو يتجاوز كل النعوت التي تقدم لكل الفاعلين السياسيين بما فيهم “البام” والعدالة والتنمية، فالمسالة تحتاج إلى الإجابة عن من هو رجل السياسة الملائم للمرحلة؟ بمعنى ما هو رجل السياسة الذي يجب أن تقدم الأحزاب؟ ما هي مواصفاته التمثيلية والتدبيرية؟ فالدولة تحتاج إلى نخب التدبير وليس نخبا “معلقة” تنتج النعوت حول المسار السياسي.
وبخصوص حزب الاستقلال، يبدو أنه يحس بمخاطر الانتقال والتحول، لسبب بسيط أنه يعتمد على الفعل التاريخي (الوطنية  ووثيقة الاستقلال)، مقابل إعلان “البام” لبيانه الإيديولوجي، الذي لم يصغ إلى حد الآن بما فيه الكفاية، المبني على تقرير هيأة الإنصاف والمصالحة وتقرير الخمسينية، ويبدو أننا أمام مشروعين مختلفين، الأول مبني على  ذاكرة وثيقة الاستقلال التي يحملها حزب الاستقلال، والثاني مبني على ذاكرة ما بعد سنوات الرصاص التي يحملها “البام”، وبينهما يطرح سؤال أي المرجعيتين الدولة قادرة على إرساء التوازن من خلالها؟ وأي المرجعيتين المجتمع قادر، ببنيته الديمغرافية ومطالبه واحتجاجاته، على تمثلها والارتباط  بها سياسيا، والمقصود بالسياسي، هنا، القدرة على تصريف المرجعية لحل الملفات بالمفهوم التدبيري السياسي، خلال الفترة الزمنية الممتدة بين 2012 و2017، فالمخاطر التي يمكن أن تعيشها الدولة حاليا، هي أن لا يتم تقييم كل السلوكات والمشاريع والبرامج والمقترحات  داخل أفق تصوري هو 2017، بمعنى بناء 2017 من داخل الإصلاحات المرتبطة بـ 2012، فالدولة تحتاج إلى تثبيت العمل الذي أنجز منذ 1999.

أجرى الحوار: جمال بورفيسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق