ملف الصباح

رموز الغناء العربي قبل ألف عام : محمد بن عائشة.. مزامير داود

اسمه محمد بن عائشة وكنيته أبو جعفر، ونُسب إلى أمه لأنه لم يعرف له أب. وكان أعداؤه يلقبونه بابن عاهة الدار.
قيل إن أمه كانت مولاة لابن أبي وداعة السهمي، بل قيل إنها كانت مولاة لكثيّر بن أبي الصلت الكندي، حليف قريش. وكان الناس إذا ما سمعوا صوت محمد بن عائشة الحسن في الغناء يقولون «أحسن والله ابن المرأة».
وزعموا أن الوليد بن يزيد سأله يوما عن نسب أمه فأجابه أنها كانت ماشطة وهو غلام، وكانت كلما دخلت إلى موضع صاح القوم «ارفعوا هذا لابن عائشة» فغلبت هكذا على نسبه.
أخذ محمد الغناء عن معبد بن وهب، المغني الشهير، ومالك، وكان طيلة حياتهما يقر لهما بقصب السبق في هذا المضمار، ويشيد بفضلهما على هذا الفن الرفيع. وكان ذا صوت رخيم يأخذ بمجامع القلوب، ويستهوي الألباب، ويفتن كل من يسمعه. وتختلف الروايات في غنائه وضربه، فمنها ما يجعله مغنيا لا يجيد الضرب، ومنها ما يجعله ضاربا إلى جانب إتقانه الغناء، ولكن ضربه أدنى رتبة من غنائه.
ويضرب المثل بحسن ابتداء ابن عائشة من دون سائر المغنين، فقيل: كأنه ابتداء ابن عائشة. بل ذهب بعضهم إلى أبعد من هذا فقال إنه كان أحسن الناس ابتداء، وتوسطا، وقطعا بعد معبد. ولم تسعفه يداه فغنى مرتجلا دون أن يلجأ إلى الضرب بنفسه. وقال أحد الرواة «ثلاثة من المغنين كانوا أحسن الناس أصواتا: ابن عائشة، وابن تيزن وابن أبي الكنّات».
ويروي ابن أبي عتيق، وكان من الظرفاء المعدودين، أنه رأى خدشا في حلق ابن عائشة فسأل من فعل به ذلك، فأخبره. فمضى وتربص بالرجل المذكور بعد أن نزع ثيابه. وخرج الرجل يستغيث ويصيح: لم تضربني يا هذا؟ وماذا فعلت؟ وابن أبي عتيق لا يجيب حتى بلغ منه مبلغا عظيما. وتركه وشأنه وأقبل على من حضر من الناس يقول: هذا الرجل أراد أن يحطم مزامير داود، فقد أمسك بعنق ابن عائشة وخدش حلقه وكاد يخنقه.
ومن أخبار ابن عائشة أنه كان يوما واقفا بالموسم والحيرة بادية على ملامحه. ومر به أحد أصحابه فسأله عن وقوفه هكذا، فأجابه: اعرف رجلا لو غنى لحبس الناس عن المسير. فقال الرجل: ومن هو هذا الذي تتكلم عنه؟ قال: «هو أنا» ورفع صوته بالغناء:
جرت سنحا فقلت لها اجيزي/ نوى مشمولة فمتى اللقاء
بنفسي من تذكّره سقام/ أعانيه ومطلبه عناء
وسُمّر الناس في أماكنهم، واضطربت المحامل، ومدت الإبل أعناقها، وكادت أن تقع الفتنة. ووجه هشام بن عبد الملك يطلبه إليه، وقال له: «يا عدو الله، أردت أن تفتن الناس». وكان ابن عائشة تياها وذا كبرياء، فلما قال له هشام «ارفق بتيهك» قال «حق لمن كانت هذه مقدرته على القلوب أن يكون تياها» فضحك هشام وأطلقه.
ولم يكن ابن عائشة تياها فحسب بل كان سيئ الخلق، إذا طلب إليه أحد أن يغني غضب وقال «لا يقال لمثلي هذا الكلام» وإن كان يغني وقال أحد معجبا به «أحسنت والله أحسنت» قال «لا يقال لمثلي أحسنت». وينقطع عن الغناء.
وكان رغم تيهه وسوء خلقه طيب القلب، لطيف المعشر، ظريف المجلس، عالما بأمور كثيرة، حتى قالت له جميلة المغنية الشهيرة «أنت تصلح أن تكون نديم الخلفاء أو سمير الملوك، يا أبا جعفر».
ومن أخبار ابن عائشة مع الوليد بن يزيد هذا الخبر الطريف وخلاصته أن ابن عائشة كان في قصر الوليد فغناه:
إني رأيت صبيحة النفر/ حورا نفين عزيمة الصبر
مثل الكواكب في مطالعها/ بعد العشاء اطفن بالبدر
وخرجت أبغي الأجر محتسبا/ فرجعت موفورا من الوزر
فانتشى الوليد وقال لأحد غلمانه «اسقنا بالسماء الرابعة» والتفت إلى ابن عائشة قائلا «أحسنت والله، أعد بحق عبد شمس» فأعاد. وما زال به: أعد بحق أمية، وبحق فلان وفلان من الملوك، إلى أن بلغ نفسه، فقال «أعد بحياتي»، فأعاده. فاستوى الوليد قائما وجعل يقبل ابن عائشة.. ونزع ثيابه جميعها وخلعها عليه وظل عريانا إلى أن أتوه بغيرها. وكانت جائزة ابن عائشة ألف دينار. وركب على بغلة بينما كان الوليد يقول له «انصرف بأبي أنت، فقد تركتني على مثل المقلى من حرارة غنائك».
ويحكى أن أحد الولاة في المدينة، وكان شديد القسوة مع المغنين والسفهاء والمخنثين، أخذهم بلزوم المسجد. وكان فيه رجل ناسك ليس له عمل إلا أن يقرئ الناس القرآن. ولزمه ابن عائشة مدة حتى خلا ذات يوم صحن الجامع إلا من ابن عائشة والرجل الناسك. وقرأ للشيخ بصوته الحسن فأعجب به، وقال له: «لم أسمع في حياتي قط صوتا أحسن من صوتك، فلو لزمت المسجد، وقرأت القرآن لنالك من الولاة خير عميم». فتبسم ابن عائشة وقال للشيخ «فكيف لو سمعت صوتي في الغناء وقد صُنع له؟» وانطلق الاثنان إلى الخارج، ولما صارا عند الميضأة فأنشده شعرا، وطرب الشيخ لما سمع، وأثنى على ابن عائشة، وكان يرصده حتى إذا خرج الناسك يتوضأ تبعه ووقف خلف جدار الميضأة، وراح يغني إلى أن يفرغ الشيخ من الوضوء، ولم يزل هكذا حتى أطلقهم الوالي.

إعداد: عزيز المجدوب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض