fbpx
الصباح الـتـربـوي

أساتذة الابتدائي بالبادية…ظروف قاهرة وأجور هزيلة

عمليتا الفك والضم تربكان هيأة التدريس وتخلفان مشاكل اجتماعية عديدة

يعاني رجال التعليم الابتدائي بالوسط القروي صعوبة المسالك المؤدية إلى الوحدات المدرسية، وبعدها عن الطريق المعبد والمدرسة المركزية بأكثر من 25 كيلومترا أحيانا، ويضطرون للمشي على الأقدام، وسط الغابات والجبال، وفي مسارات خالية من البشر، أحيانا في جنح الظلام، وطقس بارد، يقطعون وديانا تغمرها الفيضانات التي جرفت جسورها الخشبية. يعرضون حياتهم لمخاطر لا يعلمها إلا العارفون بطبيعة البادية والمدرسة المغربيتين.
تتضاعف معاناة الأستاذات، عندما يصلن إلى الوحدة المدرسية، ويشرعن في البحث عن السكن في مكان آمن، وسط عائلات متعددة الأفراد، معظمهم من الذكور. يبحثن عن زوجات يتقاسمن معهن الراتب الشهري، مقابل توفير الأمان. وأستاذات يركبن سيارة النقل السري الوحيدة بالمنطقة، ويجبرن على نمط من العلاقات، مقابل ضمان نقلهن من وإلى المدينة حيث المستوصف، والحمام، والبنك، والنيابة والأقارب.
يشتغلن داخل حجرات دراسية بعيدة عن التجمعات السكنية، و”لقضاء الحاجة” لابد من السفر أكثر من كيلومترين بحثا عن منزل تلميذ أو تلميذة، يسمح للأستاذة باستعمال مطمورته (إن وجدت).
يستقبلن تلاميذ داخل قاعات، سقوفها تتسرب منها قطرات الأمطار في فصل الشتاء، وتسكنها الثعابين والأفاعي صيفا.
أمام هذه الوضعية الصعبة تصطدم أستاذات التعليم الابتدائي بالوسط القروي، بمشكل آخر، عندما يجبرن على تغيير المنطقة، التي بذلن جهودا مضنية للاستقرار فيها، رغم قسوتها، بأخرى في جماعة أخرى، تحت ذريعة تقليص البنية الناتجة عن الفك والضم، وهي العملية التي تلجأ إليها مصالح بعض النيابات، تحت الطلب، لتحقيق مآرب أخرى غير تربوية. وتبدأ المعاناة من جديد. ومن نقطة الصفر، ويصطدمن بإسنادهن قسما متعدد المستويات، يحتضن الستة التي تتكون منها المدرسة الابتدائية، ويتكلفن بتلقين اللغتين (عربية + فرنسية) لتلاميذ المستويات الستة داخل حجرة دراسية واحدة، في زمن الحديث عن الجودة، ومحاربة ظاهرة التكرار والهدر المدرسي…أقسام عبارة عن كائنات غريبة عن التربية، غالبا ما تفرزها أيادي العبث، في غياب استشارة المدير والمفتش. عملية أبطالها، تقنيون في الإحصاء، ولكنهم يجهلون الأسس التربوية التي تحكم تدبير الأقسام المتعددة المستويات، وفي مقدمتها عنصر التجانس وتقارب البرامج والمحتويات الدراسية.
أما هذه الوضعية الشاردة، تبقى أستاذات وأساتذة التعليم الابتدائي العاملون بالوسط القروي في حيرة من أمرهم، فالمستجدات التربوية ترمي إلى تخليق الحياة المدرسية، ورفع المردودية، وتحقيق الجودة، والحد من الهدر المدرسي والتكرار، لكن الواقع المفتعل من طرف الخريطة المدرسية يسير عكس التوجهات الرسمية تحت ذريعة الخصاص، الذي غالبا ما يكون مفتعلا.
مقابل هذه الإكراهات، وجسامة المهام المنوطة بأساتذة التعليم بالوسط القروي بصفة عامة والإناث تحديدا، يتقاضى العاملون بالبادية النائية رواتب هزيلة، لا تتناسب مع جسامة المهام المنتظرة منهم، وهو ما يؤثر بالسلب على التوازن بين الحقوق والواجبات، ويعصف بالضمير المهني وأخلاقيات مهنة التدريس، ويدفع ببعض الأساتذة إلى البحث عن البديل أو الغياب الذي أصبح ينخر المنظومة التربوية.

عبد السلام بلعرج (تازة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى