حوادث

دراسة في القانون: قراءة في الخطاب الملكي حول إصلاح المنظومة القضائية (1/3)

 

ممارسة الإمامة تتمظهر في الخطاب عبر الاستناد على المرجعية الدينية

 

تضمن الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الرابعة عشرة لعيد العرش، إشارات شاملة عن مختلف جوانب الدولة الداخلية والخارجية، العمودية والأفقية، القطاعية والإستراتيجية، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والبيئية ، بشكل يجعل أي راغب بتتبع شؤون المغرب يكتفي ويشفي غليله حين يقرأ مضامينه
 ويغترف من معين ما حواه من خلال جولته على مختلف المنجزات؛ خاصة الأوراش والإصلاحات السياسية والمؤسساتية. هذا الخطاب «خطاب الحقيقة»، خطاب واع بل ومحتضن للمشروع المجتمعي حلقة متراصة، يعكس تصور الملك لهندسة الدولة، مذكرا بسمو العرش، وأنه المؤتمن على قيادة الشعب، وأن هذا الأخير مبايع له ولتقلده هذه القيادة وفق التقاليد المرعية؛ والتي يضيف إليها عبارة «حكومتنا»  بين الفينة والأخرى، في وقت عجزت هذه الأخيرة عن الإبقاء على تماسكها، كما عجز كافة من يفترض ممارستهم سلطة تنفيذية في ظل دستور جديد عن قلب موازين القوى لصالحهم من أجل تشاركية ديمقراطية ودستورية في تدبير السياسة العمومية .
كما تضمن الخطاب الملكي 2089 كلمة ، تشكل لفظة «شعبي العزيز» رابطا بين مواضيعها، موثرا رصد فقرة ونصف لتلخيص انتظارات مجتمع كامل من الحوار الوطني حول إصلاح العدالة؛  قائلا : « شعبي العزيز ..ما فتئنا منذ تولينا أمانة قيادتك، نضع إصلاح القضاء، وتخليقه وعصرنته، وترسيخ استقلاله، في صلب اهتماماتنا، ليس فقط لإحقاق الحقوق ورفع المظالم، وإنما أيضا لتوفير مناخ الثقة، كمحفز على التنمية والاستثمار؛ وفي هذا الصدد، نسجل بارتياح التوصل إلى ميثاق لإصلاح المنظومة القضائية، حيث توافرت له كل الظروف الملائمة، ومن ثم، فإنه يجب أن نتجند جميعا، من أجل إيصال هذا الإصلاح الهام، إلى محطته النهائية.
ومهما تكن أهمية هذا الإصلاح، وما عبأنا له من نصوص تنظيمية، وآليات فعالة، فسيظل “الضمير المسؤول” للفاعلين فيه، هو المحك الحقيقي لإصلاحه، بل وقوام نجاح هذا القطاع برمته «.. انتهى النطق الملكي.
ولعل ما يثير الانتباه هو عبارة ، نسجل بارتياح التوصل إلى ميثاق لإصلاح المنظومة القضائية …»، فهل تعني كلمة «الارتياح الملكي» لما تضمنه هذا الميثاق (أو التوصيات) أن هذه الأخيرة نهائية غير قابلة لأي نقاش، أو احتجاج إن اقتضى الأمر؟  سيما وقد لا ترقى في بعض جزئياتها الهامة إلى طموح بعض الفاعلين في منظومة العدالة؟
نطرح هذا السؤال ليس من جانب حقوقي فقط، بل من الناحية القانونية، كذلك؛ طالما أن هذه التوصيات ستتبلور ـــ إن لم تكن قد بلورت ـــ إلى مشاريع نصوص قانونية، والتي في حاجة إلى قناة مصادقة وهي البرلمان .
فهل يمكن القول إن مشاريع النصوص القانونية حول إصلاح العدالة لها خصوصياتها؛ إذ عينت بصددها لجنة ملكية، وصلت إلى توافق مختلف المعنيين بحقل العدالة بالمغرب، مما يلغي مسألة المناقشة والتعديل من قبل البرلمان ؟
يتعين للوقوف على ذلك ، مناقشة ــ بداءا ـــ مدى نهائية ميثاق إصلاح المنظومة القضائية، ليتسنى لنا طرح خيارات نادي قضاة المغرب على ضوء ذلك .
مناقشة مدى نهائية ميثاق إصلاح المنظومة القضائية
إن مناقشة مدى نهائية ميثاق إصلاح المنظومة القضائية ووضع هذا الرأي في الميزان؛ يجبرنا على الوقوف عند الطبيعة القانونية للخطابات الملكية من جهة (1)، ثم النبش في طريقة تدبير عمل وسريان الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة للوقوف على صحة القول إن ما تم التوصل إليه يشكل توافقا بين مكونات المجتمع المغربي من عدمه؟؟؟ من جهة أخرى (2 ) .
1ـ  الطبيعة  القانونية للخطابات الملكية :
تقوم الملكية بوظيفتها بالمغرب بناء على: «بيعة الإمامة الشرعية الموصولة بما سبقها على امتداد أزيد من اثني عشر قرنا موثقة السند بكتاب الله ورسوله الكريم ومشدودة العرى إلى الدستور المغربي» ؛ وفق ما جاء بخطاب الملك محمد السادس في 20 غشت 1999.
   وبتوظيف الدلالات الدينية والمضامين التيولوجية من قبل المؤسسة الملكية، وباستحضار مضامين كافة الدساتير منذ دستور 1962 وتعديلاته خلال سنوات 1970 و 1972 و1980 و1992 و 1996؛ نخلص إلى أنه تم إيجازها في الفصل التاسع عشر من الدستور السالف، الذي ينص على أن: «الملك هو أمير  المؤمنين والممثل الأسمى للأمة وضامن دوام الدولة واستمرارها، وهو حامي حمى الدين والساهر على احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيآت، وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة «.
وتتمظهر ممارسة الإمامة، داخل خطاب الإصلاح ، من خلال الاستناد على المرجعية الدينية بإنهاء بعض الخطب الملكية بالآيات القرآنية «إن أريد الإصلاح ما استطعت وما توفيقي  إلا بالله» (الخطاب الملكي بتاريخ 12 أكتوبر 1999 والخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش 30 يوليوز 2000 ) ، أو التذكير في إحدى الحوارات الصحفية التي أجراها الملك  محمد السادس بأن مهمته كملك تجعل منه «الخديم الأول للمغاربة» (الحوار الصحفي الذي  خص به الملك أسبوعية «باري ماتش» 13 / 10 / 2001 ) .
ويستمر الخطاب نفسه بين ما جاء على لسان الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله حين اعتبر أنه: «إذا كانت الملكية الدستورية تعني عادة نظاما يسود فيه الملك ولا يحكم، فإن خصوصيات المغرب تجعل وجود ملكية يسود فيها الملك ويحكم ضرورة حتمية .. فالشعب المغربي لا يستطيع أن يفهم كيف يمكن أن يكون ملك ولا يحكم، فلكي يستطيع الشعب أن يعيش، وتكون الدولة محكومة، يجب أن يعمل الملك وأن يأخذ بين يديه سلطاته ويتحمل مسؤوليته… فالدستور لا ينشئ مؤسسة جديدة، وإنما يقرها استمرارا للتاريخ، على عكس المؤسسات الأخرى التي يمكن اعتبارها من صنع الدستور»  («التحدي» المطبعة الملكية، ط 2، 1983)، وبين ما جاء على لسان الملك محمد السادس حين أجاب عن سؤال لصحفي جريدة «إيل باييس» بتاريخ 16/01/ 2000 حول ماذا كان من الممكن تصور أن يصبح المغرب ملكية برلمانية، معتبرا أنه لا يعني نقل نموذج أنظمة الملكيات الأوربية، فـ «للمغرب خصوصياته والتزاماته «.

بقلم: ذ. عبد الله الكرجي, عضو مؤسس لنادي قضاة المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق