ملف الصباح

ومضات من تاريخ المغرب : الحسن الثاني يفاوض اليسار

بعد مرور عقد من الزمن تقريبا عن استقلال المغرب، أصبحت الأسر المغربية تبذل الغالي والنفيس في سبيل تعليم أبنائها، معولة على المدرسة لتمكن لهم سبيل الارتقاء الاجتماعي. ورأى الآباء في التحاق أزيد من 200 ألف من الشباب بالإدارة، ابتداء من 1956، لخلافة الأوربيين واليهود المغاربة المتأهبين للرحيل، دليلا مبينا على أن الشهادة التعليمية ضمان للارتقاء الاجتماعي. لكن اكتفاء الدولة الوطنية كان وشيكا ، فقد صار عدد الموظّفين المغاربة المسلمين 25 ألفا في سنة 1965، أي عشرة أضعاف ما كانوا عليه لحظة الاستقلال، ما دفع الدولة إلى السعي إلى تعطيل الآلة المدرسية.
وجاءت في مارس 1965، مذكرة من وزارة التربية الوطنية، تحد من الانتقال إلى السلك الثاني من التعليم الثانوي، فألقت في 22 مارس 1965، في شوارع الدار البيضاء، بمئات من التلاميذ. وإذا بتلاميذ الإعدادي يخرجون يوم 23 مارس، في مظاهرة انضم إليها الآلاف من آباء التلاميذ والشباب العاطلين، وسواهم من فقراء أحياء الصفيح. ثم لم تلبث المظاهرات أن انقلبت إلى عصيان، فقد نصبت الحواجز في الدار البيضاء، وأحرقت الحافلات والبنوك ومخافر الشرطة. وما كانت تلك الأعمال مجتمعة إلا تعبيرا عن فداحة الانتهاكات التي تراكمت منذ الاستقلال. واندلعت معارك في الشوارع بين المتظاهرين وقوات الأمن، واتسعت رقعة التمرد لتعم كبريات المدن الأخرى في المملكة.
فجاء القمع وكان مبتدؤه يوم 23 مارس، بتولي أوفقير استعادة التحكم في زمام الأمور في المدينة، وكان يقود العمليات من مروحية. واستمر العنف ثلاثة أيام، موقعا مئات القتلى. وشلت الحياة السياسية أمام عظم العنف، حتى خاطب الحسن الثاني الشعب في 29 مارس 1965، حيث جاء ليلومه ويعنف البرلمانيين على حد سواء: “أقول لكم إنه لا أخطر على أي دولة من الشبيه بالمثقّف، وأنتم أشباه المثقّفين، وليتكم كنتم جهالا”. فكان يقدم في ثنايا كلامه، مفتاح السياسة التربوية التي سيستنها لاحقا.
كانت العواقب السياسية للحدث في غاية الفداحة، ودخل الملك في محادثات مع المعارضة. واشترط الاتحاد الوطني للقوات الشعبية حل البرلمان وإجراء انتخابات سابقة لأوانها. فأعلن الملك حالة الاستثناء في 7 يونيو 1965، وتم حل البرلمان بدعوى عدم الكفاءة. فانخرط المغرب يومها في مرحلة طابعها السلطة الشخصية المنفردة للملك، طالت أزيد من الخمسة أعوام، وشكل هذا المنعطف، انتصارا ساحقا للقصر على الحركة الوطنية.
وتوقف الكتاب في هذه المرحلة التاريخية عند حادثة اختطاف المهدي بنبركة، معتبرا إياها السبب الحقيقي للقطيعة بين الحسن الثاني واليسار، وليس إعلان حالة الاستثناء. أكثر من ذلك، يذهب الكتاب إلى أنه “ليس من المؤكد أن حالة الاستثناء قد ترتبت مباشرة عن أحداث مارس لسنة 1965، ذلك أن شهرين يفصلان الحدثين عن بعضهما أولا؛ ثم لأن هناك مفاوضات فعلية قامت بين القصر والاتحاد خلال شهر أبريل من السنة نفسها كان الهدف منها الوصول إلى تسوية سياسية تمر بالضرورة عبر غرفتي البرلمان، إذ كان الاتحاديون أقلية. ولهذا السبب بالذات لم يشجب الاتحاد قط حالة الاستثناء بينما انتقدها حزب الاستقلال وعارضها عبد الكريم الخطيب نفسه –وهو إذاك رئيس مجلس النواب- عندما اعتبرها انقلابا على الدستور قد يؤدي الى القضاء على الديمقراطية”.
الكتاب الجديد حرص على الفصل بين أحداث مارس 1965 وإعلان حالة الاستثناء، معتبرا أن الاخيرة كانت تمهيدا لمرحلة جديدة تنهي تلك التي بدأت مع دستور 1962، وهو ما يوحي إلى احتمال استعداد الحسن الثاني للدخور في توافق مع اليسار. “والملاحظ في سائر الأحوال أنه تم اختطاف الزعيم اليساري المهدي بن بركة يوم 29 أكتوبر 1965 بباريس، فترتب عن ذلك ظهور أزمة دبلوماسية عميقة بين المغرب وفرنسا، وهي أزمة ستستفحل بتوجيه التهمة من قبل القضاء الفرنسي لمسؤولين أمنيين مغربيين، هما الجنرال محمد اوفقير والكولونيل أحمد الدليمي. ويعدّ اختطاف بن بركة واختفاؤه قضية لم يتم استجلاؤها بعد. لذا فإن وقع هذه القضية على مجرى التاريخ السياسي للمغرب، سوف يطول أمده، خاصة أن مسؤولية أجهزة الأمن المغربية فيها، شيء ثابت بالنسبة إلى القضاء الفرنسي”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق