ملف الصباح

الصديقي: الأنظمة الشمولية تشكل خطرا على الديمقراطية

قال إن الدولة الدينية التي تتأسس حصرا على الدين لا تشكل خطرا على الديمقراطية فحسب بل تتعارض عضويا معها

كثر الجدل حول الدولة الدينية والدولة المدنية، في الفترة الأخيرة، خاصة مع مجيء الإسلاميين إلى الحكم في عدد من الدول العربية في ظل ما سمي الربيع العربي . وفي المغرب بدأ النقاش يتنامى حول هذه القضية بعد تولي حزب العدالة والتنمية مسؤولية تدبير الشأن العام، بعد تنصيب الحكومة في 3 يناير 2012 ، وما طرحه ذلك من تساؤلات حول حضور الدين والمقدس في  الممارسة السياسية، فظهرت تخوفات من قبل البعض ، أساسا الحداثيين والمنتمين
 إلى اليسار بمختلف أطيافه، من أن يقود مشاركة الإسلاميين في الحكومة إلى النكوص والردة، والتراجع عن مسار الدمقرطة ومكاسب الحريات
وحقوق الإنسان، فيما اعتبر البعض الآخر أن هذه التخوفات  لا سند لها، إذ أن النظام السياسي المغربي يمنح الملكية موقعا
محوريا داخل المجتمع، ما يضمن  احترام ثوابت البلاد والاستقرار السياسي  للبلد…

 هل تُشكل الدولة الدينية خطرا على الديمقراطية، وما رأيكم في النقاش الذي يُثار بين الفينة والأخرى في أوساط عدد من المفكرين والأكاديميين في الوطن العربي، حول “الدولة الدينية… الدولة المدنية”، والذي تكثف في ظل في ما يسمى الربيع العربي الذي تميز بصعود أحزاب ذات مرجعية إسلامية إلى الحكم؟
 السؤال المطروح آني بالفعل، خاصة في الوطن العربي والبلدان التي أصبحت مطالبة ببناء أنظمة ديمقراطية. لا يمكن أن نقدم أجوبة جاهزة على السؤال، أو أجوبة عامة وصالحة لكل زمان ومكان، بل إن الأجوبة ينبغي أن تكون ملموسة لواقع وظرفيات ملموسة، تفاديا للتعميم الذي يقود بالضرورة إلى التبسيط المبالغ فيه، وبالتالي إلى الخلط.
وحول السؤال عما إذا كانت الدولة الدينية تُشكل خطرا على الديمقراطية، فإن الجواب الذي يمكن تقديمه هو نعم ولا في الوقت نفسه. سيكون الجواب بنعم، إذا كانت هذه الدولة في شكل نظام شمولي واستبدادي ومطلق كما كان الشأن في المجتمعات ما قبل المرحلة الصناعية بأوربا. إن الدولة الدينية التي تتأسس حصرا على الدين لا تشكل خطرا على الديمقراطية فحسب، بل تتعارض عضويا معها. وبطبيعة الحال، فإن الديمقراطية نشأت في ظل الليبرالية والرأسمالية اللتين تقومان على حرية المبادرة والمساواة بين المواطنين أمام القانون إذا كان الأخير من وضع  الطبقات الاجتماعية المهيمنة، أي الفئة الرأسمالية، ولكي نوجز القول، نقول إن كل الأنظمة الشمولية سواء تعلق بأنظمة دينية أو فاشية تشكل خطرا على الديمقراطية.
بالمقابل، نجد وضعيات أخرى  يمكن أن تتعايش فيها الدولة الدينية بشكل جيد مع الديمقراطية ، ولا يكون الديني فيها  حصريا ولا خالصا، كما هو الشأن بالنسبة إلى ملكيات الخليج أو إيران، وهذا الاعتبار في نظري هو الذي جعل فرانسوا هولاند، الرئيس الفرنسي، يقول خلال زيارته الأخيرة لتونس بأن الإسلام والديمقراطية لا يتعارضان، بمعنى هناك إمكانية للتعايش دون اصطدامات بين الدين والديمقراطية شرط أن لا يستأثر الدين بكل حقول الحياة الاجتماعية، فـ “ما لقيصر لقيصر وما لله لله”.
 ما تقييمكم للدعوات المنادية بالفصل بين ما هو ديني وما هو سياسي ؟
 إن ما يُبرر الدعوات المنادية إلى الفصل بين ما هو سياسي وما هو ديني، بمعنى آخر بناء دولة علمانية، بالتخوفات القائمة لرؤية بعض التيارات الدينية المتطرفة تضع يدها على السلطة بالقوة أو عن طريق الديمقراطية وتعمل على تطبيق الشريعة. والمغرب يقدم   نموذجا يُحتذى بالنسبة إلى مرحلة الانتقال الديمقراطي على الأقل. إن التعايش ممكن بين أحزاب  تطغى عليها مرجعيات دينية  وأخرى تهمين عليها مرجعيات علمانية،  شرط أن تحترم كلها قواعد دولة القانون، وتقبل القوانين السائدة باعتبارها لا تمتح كلها من الدين، ولا يتم توظيف الدين بشكل مبالغ فيه، أو تبني موقف لا علمي من خلال اعتبار أن” الإسلام هو الحل” كما يفعل الإخوان المسلمون في مصر. إنها جرعة ضرورية في المجتمعات حيث الدين  متجذر في الجسم المجتمعي وغياب العقلانية يسير نحو أن يكون معمما، إذا كنا نريد أن نتفادى المواجهات العنيفة بين الطرفين. يجب أن نمنح للجميع الحق في الوجود بدون أي شكل من الشيطنة وبدون هيمنة، في نهاية المطاف، فإن الحل يبقى في إقامة دولة مدنية، لكن بين الدولة الدينية والدولة المدنية هناك عوالم…
 عبد السلام الصديقي ,أستاذ جامعي وباحث اقتصادي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق