حوادث

دراسة في القانون: المرض غير المهني وطب الشغل

 

خصص له المشرع أربعة فصول بمدونة الشغل

 

بما أن عقد الشغل غير محدد المدة هو المبدأ في علاقات الشغل، وأنه أيضا من العقود الزمنية والمستمرة، وأن المرض غير المهني يكاد لا يثير إشكالات
 في عقود الشغل الأخرى، فقد اقتصر المؤلف على هذا النوع من العقود في دراسته.

تختلف وظيفة مفهوم المرض لكل من العلوم الطبية والقانونية بحيث يستخدم في الأولى، وبالدرجة الأولى من أجل تقييم المخاطر التي تتعلق بالصحة، وتقرير ما يستدعي العلاج منها، حيث يطغى على مقاربة الطبيب الطابع التقني الذي يلامس أعراض المرض ومنهجية تشخيصه من أجل وضع إستراتيجيات مقاومته وعلاجه في المجال القانوني، فهي تهدف بصفة عامة إلى تحديد المركز القانوني للمريض، وفي حقل قانون الشغل بالخصوص فمن أجل تحديد حقوق وواجبات الأجير المريض من جهة، وواجبات وحقوق مشغله من جهة أخرى، أنهما مرتبطان بعقد معاوضة يرتب التزامات متبادلة، ولهذا، فما يعتد به في هذا المجال، ليس هو المرض في حد ذاته، بل هي الآثار المترتبة عنه بانعكاساتها  على علاقة الشغل. فتفاديا لإنهاء العلاقة الشغلية، بسب التغيب الناتج عن المرض، فقد عمد المشرع المغربي، إلى اعتبار مرض الأجير من الحالات الموجبة لتوقف عقد الشغل، إلا أنه إذا كان  النظام القانوني للمرض المهني قد عمر أكثر من 50 سنة، ولا يثير إشكالات في تطبيقه كما أنه قد حظي بالكثير من الكتابات الفقهية، فالمرض غير المهني لم يخصص له المشرع المغربي بمدونة الشغل إلا 4 فصول، مع العلم أن مؤسسة المرض غير المهني تتجاوز في تنظيمها مقتضيات مدونة الشغل، حيث تتداخل قوانين أخرى في ذلك بصفة مباشرة أو غير مباشرة (القانون المنظم لممارسة الطب، قانون الضمان الاجتماعي، قانون الالتزامات والعقود، مدونة التغطية الصحية الإجبارية)، ما دفع المؤلف إلى دراسة المقتضيات القانونية المتعلقة بمؤسسة المرض غير المهني من داخل مدونة الشغل ودراسة تقاطعاتها مع قوانين أخرى تتعلق بها بصفة مباشرة أو غير مباشرة، وبالتالي تقييم مدى فعاليتها في حماية الأجير المريض من جهة، ومصلحة المقاولة من جهة أخرى.
فلا شك أن موضوع هذا الكتاب يكتسي أهمية قصوى على  المستوى العملي، وذلك باعتبار المرض غير المهني خطرا حياتيا يمكن أن يتحقق بالنسبة إلى أي أجير، وأن المرض يؤثر سلبا على السير العادي للمقاولة بطابعه المفاجئ، وبفعل غياب الأجير الذي يسفر عنه، وكذلك بفعل البعد الاقتصادي والبعد الاجتماعي الواجب مراعاتهما في مقاربة هذا الوضع بحيث  يجب إلى جانب، الأخذ بعين الاعتبار الحفاظ على القوة  التنافسية للمقاولة، الأخذ بعين الاعتبار الحفاظ على منصب  الشغل  واتقاء النزاعات بشأن المرض.
من هذه المنطلقات، تمحورت الإشكالية المركزية لهذا الكتاب  في مدى نجاح  المشرع من خلال تنظيمه لمؤسسة المرض غير المهني بتمتيع الأجير المريض بحماية نظام توقف عقد الشغل، الحفاظ على استقرار العلاقة الشغلية، وذلك بالإجابة عن إشكاليات فرعية حول  شروط إعمال نظام توقف عقد الشغل بسبب المرض غير المهني، وحول استشرافه بما فيه الكفاية النزاعات الفردية بخصوص تداعيات مرض الأجير عند إعماله، وحول درجة تماسك وتناسق النصوص القانونية المنظمة لمؤسسة المرض غير المهني في ما بينها، من داخل مدونة الشغل، وبينها وبين نصوص أخرى ذات الصلة من خارج مدونة الشغل، وحول مدى اتسامها بالوضوح والإحكام اللازمين لتفادي اختلاف التأويلات بشأنها، وحول كيفية تأثير توقف العقد بسبب المرض غير المهني على عقد الشغل غير محدد المدة، منذ بدء ذلك التوقف، مرورا بسريانه وانتهاء بانتهائه.
لتدارس الإشكالية المركزية، وما يتفرع عنها من إشكاليات اعتمد المؤلف مقاربة نقدية وتحليلية ومقارنة، ليخلص إلى أنه عندما يكون المرض سببا في تفعيل نظام توقف عقد الشغل، يتضح أن تنظيم هذه المؤسسة لا يرقى إلى النجاعة  المتوخاة من هذا النظام حيث وقف، ومن خلال عدة محطات، على عدة نواقص وثغرات تشوب نظام توقف عقد الشغل بسبب المرض غير المهني.
واتضح من خلال تحليل النصوص القانونية المتعلقة به، وهي قليلة جدا، ومن خلال مقارنتها مع نظيراتها في قوانين الشغل الأجنبية، وكذلك من خلال تطبيقاتها القضائية أن هذا النظام لن يستطيع اتقاء نزاعات الشغل الفردية التي قد تكون سببا فيها تداعيات المرض غير المهني، وما قد تسفر عنه من حالات عدم استقرار العلاقة الشغلية بتهديد مصالح أطرافها، وذلك لأن المقتضيات المتعلقة بالمرض غير المهني من داخل مدونة الشغل، أو التي تتعلق به من خارجها يكتنفها نوع من الغموض أحيانا، وتتسم بالتعارض أحيانا أخرى، ما يجعل بنيان مؤسسة المرض المهني غير متماسك وغير متسق.

بقلم:  د.مولاي هاشم مرتجي, طبيب مختص في طب الشغل
حاصل على دبلوم الماستر في القانون الخاص (القانون والمقاولة)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق