fbpx
خاص

رمضان… وصول متأخر ورحيل مبكر

موظفون يصرخون في وجه المتصلين بهم “واش ما غاديش تخليونا نعسو”

من المستمحلات الأكثر رواجا خلال أيام هذا الشهر الفضيل، أن اللصوص، الذين يطلق عليهم بعض الظرفاء لقب “موظفي كل ساعة وكل مكان”، هم أكثر موظفي هذا البلد نشاطا في شهر الصيام، وربما كان أجدر أن يجازوا على إخلاصهم وتفانيهم في عملهم رغم الجوع والعطش… الجانب الطريف في المستمحلة، التي لا يمكن أن تكون بالبت والمطلق أن أمرا طيبا لمن يذهب ضحيتها، يعري واقعا أسود ومريرا تعيشه الإدارات العمومية خلال شهر رمضان المبارك.. رمضان، الذي هو شهر الصيام والتعبد والعمل كذلك (فالعمل عبادة بدوره، كما هو وارد في القول المأثور)، يتحول في الإدارات العمومية، عند الغالبية العظمى من الموظفين، إلى تحقيق معادلة “الوصول المتأخر والرحيل المبكر” عن مقر العمل. واقعة على سعي هؤلاء الموظفين الحثيث إلى تحقيق وتطبيق هذه المعادلة ذات المجهول الواحد، هو ما يرويه عزيز بوعيدي، الذي قال ل”الصباح” إنه توجه وسط الأسبوع الماضي إلى مقر مقاطعة تابريكت من أجل أن يصادق على نسخ من بعض وثائق ترشح أخته لاجتياز مباراة الالتحاق بإحدى مدارس التعليم العالي.
مفاجأة هذا الرجل كانت كبيرة عندما وصل إلى مقر الإدارة المذكورة حوالي الساعة الواحدة ظهرا إذ تفاجأ أن لا أحد من موظفي مصلحة تصحيح التوقيعات والتصديق عليها موجود. الواحدة ظهرا ولا أحد هنا ليؤدي للمواطنين خدمة من حقهم وواجب على أولئك الموظفين الذين يتوصلون بأجورهم جراء عمليات التضريب الواسعة التي يخضع لها المواطنون، أفرادا وجماعات.
أوقات العمل في شهر رمضان الكريم، كما تحددها وزارة الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة، هي من التاسعة صباحا وإلى الثالثة عصرا في إطار التوقيت المستمر، لكن على ما يبدو فمن “المستحيل” أن “يتنازل”، هؤلاء الموظفون عن “مكتسب” تحقق نتيجة سنوات طويلة من “السليت”.
وهناك مصادر تشير إلى أنه في بعض الإدارات العمومية، خاصة تلك المؤسسات والمكاتب العمومية المغمورة التي تشتغل في الخفاء، ولا يعرف أحد ماذا تنتج ولا ماذا تقدم، يتحول رمضان إلى شبه عطلة، إذ يستغل كثيرون من موظفي هذه الإدارات فترة هذا الشهر ليقلصوا إلى أدنى حد معدل ساعات العمل. فمنهم من يكتفي بخمس أو أربع ساعات في اليوم ويقف راحلا إلى بيته أو إلى أحد الأسواق الشعبية أو الممتازة، وهناك من هو أكثر دهاء واحتيالا إذ لا يكلف نفسه عناء كل هذه الساعات بل يكفيه الحضور سويعة أو أقل ثم ينسحب بعدها، إلى حال سبيله..
وحتى بعض المواطنين صار شهر رمضان مرتبطا في أذهانهم بأنه شهر يكثر فيه الإخلال بضوابط وأوقات العمل المعتمدة والسارية على كل الإدارات، حتى إن كثيرين يفضلون إما أن يقضوا أغراضهم الإدارية في الساعات الأولى لدوام العمل، أو يتركوها إلى فترة ما بعد رمضان. فلا يمكن لأحدهم أن يكافح من أجل تحصيل استثناء من إدارته للتغيب بعض الوقت ثم يتوجه إلى إدارة يجدها خاوية على عروشها.
وتبقى الواقعة الأكثر طرافة الرائجة خلال هذا الشهر الفضيل ما يحكيه أحد الأصدقاء عن أصدقاء له يعملون بأحد صناديق توفير خدمات التغطية الصحية لموظفي الإدارات العمومية، إذ يحكي أنه كلما اتصل ببعض أصدقائه بالإدارة المذكورة (خلال أيام العمل الإدارية) إلا ورد عليه بعضهم أو معظمهم أن يتركهم ينعمون بنوم هانئ. فلا فرق أن يتصل بهم في العاشرة صباحا أو الثانية زوالا… ستكون أولى جملة يتلقاها عبر سماعة الهاتف هي “واش نتا ما غاديش تخلينا نعسو؟؟”.
هذا السؤال الاستنكاري يعكس مظهرا من مظاهر الاستهتار بمصالح الناس، لكنه في واقع الأمر يظهر إلى أي حد صارت هذه المصالح أهون وأحقر من أن يلتفت إليها من يتقاضون أجورا نظير تعهدها والقيام بها. غير أنه يبدو كذلك أن رؤساء المصالح والأقسام إما أنهم لا يقومون بالدور المنوط بهم أو أنهم بدورهم متواطئون في هذه الممارسات غير الأخلاقية وغير القانونية وغير الحضارية…

محمد أرحمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق