حوادث

دراسة في القانون : دور النيابة العامة في القانون المنظم لمهنة التوثيق

مكتب الموثق مرفق تسهر النيابة العامة على استمرار أدائه لوظيفته

تعرف المجتمعات باختلافها تطورا مستمرا، نتيجة تطور الإعلاميات والتكنولوجيا بصفة عامة، الشيء الذي جعل المسافة بين الأفراد والمجتمعات صغيرة جدا، مما أصبح معه إمكانية تصادم المصالح تزداد سواء بين الأفراد أو المجتمعات. وهكذا، فكل دولة تسعى إلى ضمان السلم الاجتماعي الداخلي، عبر تعاقد الدولة مع أفراد المجتمع من جهة وإعطاء حجية وضمانة للعقود التي يبرمها الأفراد في ما بينهم داخل المجتمع
 من جهة ثانية وكذا على الصعيد الإقليمي والدولي، عبر  الاتفاقيات والمواثيق الدولية.عندما ينهي المتمرن فترة التمرين بنجاح يتم تعيينه بناء على الرأي الذي تدلي به اللجنة المشار إليها في المادة 11 والتي يوجد من بين أعضائها الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف أو نائبه، والذي يعين ضمن هذه اللجنة من قبل وزير العدل، وبالتالي سيكون لا محالة للنيابة العامة دور في تعيين الموثق بناء على خريطة توزيعهم عبر التراب الوطني لتفادي الخصاص الذي يمكن أن تعانيه بعض المناطق على حساب تضخم في مناطق أخرى.
وبعد تعيين الموثق وقبل شروعه في عمله يؤدي اليمين القانونية، أمام محكمة الاستئناف المعين بدائرتها في جلسة خاصة يرأسها الرئيس الأول بحضور الوكيل العام للملك وكذا رئيس المجلس الجهوي للموثقين الذي يتولى تقديم المترشح. ولا نرى في حضور النيابة العامة ممثلة في الوكيل العام للملك إلى إعلاء من شأن هذا اليوم التاريخي في مسار الموثق من جهة وتحفيز النيابة العامة على تفعيل دورها في مراقبة الموثق ومدى احترامه لمقتضيات القسم الذي أداه بحضورها طيلة مساره المهني.
ثانيا: دور النيابة العامة في الإشراف وتتبع عمل الموثقين أثناء مزاولتهم لمهامهم.
ليس بالأمر الهين إحياء النصوص القانونية وسبر أغوار فلسفة المشرع بما هو نظري فقط، لأجله تبقى محاولتنا في هذا الإطار مجرد إبراز لإحدى الزوايا التي يمكن من خلالها قراءة دور الجهة المشرفة والجهة المشرف عليها في قانون 32.09، وإن كانت النصوص التنظيمية والممارسة الواقعية هي الكفيلة بإبراز هذه الأدوار بشكل سليم، والى ذلك الحين، سنحاول مقاربة ذلك من خلال دور النيابة العامة في ضمان استمرار مكتب التوثيق في أداء مهنته أولا ودورها في تنظيم عمل الموثقين ثانيا.
 دور النيابة العامة في ضمان استمرار مكتب التوثيق في أداء مهامه
في هذا المقام يمكن القول إن مكتب الموثق ليس ملكا خاصا للموثق بمفهومه الواسع، بل يمكن اعتباره بمثابة مرفق تسهر النيابة العامة على استمرار أدائه لوظيفته. وبالتالي فإن الموثق إن أراد التغيب عن مكتبه ولمدة لا تتعدى خمسة عشر يوما، لابد له من إشعار المجلس الجهوي للموثقين والوكيل العام للملك لمحكمة الاستئناف المعين بدائرتها. أما إن كان مضطرا للتغيب لأكثر من خمسة عشرة يوما عين الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف المعين بدائرة نفوذها بناء على ملتمسه موثقا آخر للنيابة عنه. وهكذا فإن استعمال المشرع لمصطلح مضطرا تعني أنه لا يحق له التغيب لأكثر من خمسة عشر يوما. ونرى أن هذا الاضطرار المشار له في الفقرة 2 من المادة 17 هو المشار له في المادة 18 التي تنص على أنه: «يمكن للموثق إذا انتابه عارض أو مرض حال دون ممارسته مهنته أن يلتمس من الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف المعين بدائرة نفوذها، اعتباره في حالة انقطاع مؤقت عن ممارسة المهنة، ويعين الرئيس الأول – في حال الموافقة – موثقا آخر للنيابة عن الموثق المعني بالأمر بعد أخذ رأي الوكيل العام للملك لدى نفس المحكمة ورئيس المجلس الجهوي». وهكذا فإن النيابة العامة تكون حاضرة سواء في حالة التغيب العادي لأقل من خمسة عشر يوما، أو التغيب الاضطراري لأكثر من ذلك في مراقبة مدى حسن سير مكتب التوثيق، وفي الإطار نفسه نجد المادة 20 تنص وبصيغة الوجوب على أنه: «يجب على الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف أو رئيس المجلس الجهوي في حالة شغور مكتب للتوثيق أو إذا حال عائق دون قيام الموثق بمهامه. أن يلتمس من الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف المعين بدائرتها الموثق تعيين من يسير المكتب مؤقتا من بين الموثقين العاملين بالدائرة الاستئنافية نفسها يبلغ قرار التعيين إلى الوكيل العام للملك ورئيس المجلس الجهوي».
نعتقد أن صيغة الوجوب التي جاءت بها المادة تم تلطيفها عبر منح هذا الاختصاص للوكيل العام للملك ولرئيس المجلس الجهوي، وكان من الأولى منح هذا الاختصاص لجهة واحدة فقط، لتكون مسؤولة عن عدم تقديم الملتمس من جهة وتفاديا لأي اتكالية أو تقصير في تتبع مكاتب الموثقين واستمرارهم في أداء واجبهم.
وهكذا يمكن القول إن المشرع وإن أعطى للموثق إمكانية المبادرة في طلب تعيين غيره في الإشراف على استمرار المكتب في أداء مهامه، فإنه بالمقابل إن هو تقاعس عن ذلك، فإن المبادرة في هذه الحالة ستكون للنيابة العامة أو المكتب الجهوي الذي ينتمي إليه، على اعتبار أن مسألة استمرار المكتب في العمل ليس شأنا خاصا بالموثق ولكنه شأن مجتمعي.
2 – دور النيابة العامة في تنظيم عمل الموثقين.
على هذا المستوى سنحاول إبراز الدور الذي تقوم به النيابة العامة بصفته مشاركا في تنظيم عمل الموثقين، وفي هذا الصدد نجد أن الموثق إن أراد وفي حالات استثنائية أن يتلقى تصريحات أطراف العقد والتوقيع على العقود خارج مكتبه، فإن عليه أن يأخذ إذن من رئيس المجلس الجهوي ويخبر بذلك الوكيل العام للملك لدى المحكمة المعين بدائرتها، على اعتبار أن القيام بهذه الممارسات دون الحصول على الإذن وإخبار النيابة العامة من شأنه الإخلال بعلاقة الموثقين في ما بينهم، ويفتح باب المنافسة غير المشروعة بينهم. وهكذا وبإدخال النيابة العامة إلى جانب المجلس الجهوي في تنظيم هذه الحالات الاستثنائية ضمان لقدسية مكتب الموثق الذي يعتبر الأصل في ممارسة الموثق لعمله، وخيرا فعل المشرع حين جعل مسألة منح الإذن من اختصاص المجلس الجهوي، وتبقى النيابة العامة كجهة مشاركة في التنظيم، وبالتالي يجب إخبارها دون أن تمنح الإذن وإن كانت مسألة الإخبار غير محددة هل تتم قبل قيام الموثق بالعملية أم بعد ذلك؟ كما أن الجزاء عن عدم إخبار غير محدد، على اعتبار أن مسألة منح الإذن من قبل المجلس الجهوي لا يقف على مسألة إخبار النيابة العامة. ونأمل من الممارسة الواقعية أن تجعل منه أمرا ضروريا حتى تستفيد المجالس الجهوية من آراء النيابة العامة حول إعطاء الإذن من عدم منحه.

بقلم:  يوسف أقصبي: باحث في العلوم القانونية 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق