حوادث

دراسة في القانون: دور النيابة العامة في القانون المنظم لمهنة التوثيق

إشراف النيابة العامة على عمل الموثقين هدفه صيانة المهنة

تعرف المجتمعات باختلافها تطورا مستمرا، نتيجة تطور الإعلاميات والتكنولوجيا بصفة عامة، الشيء الذي جعل المسافة بين الأفراد والمجتمعات صغيرة جدا، مما أصبح معه إمكانية تصادم المصالح تزداد سواء بين الأفراد أو المجتمعات. وهكذا، فكل دولة تسعى إلى ضمان السلم الاجتماعي الداخلي، عبر تعاقد الدولة مع أفراد المجتمع من جهة وإعطاء حجية وضمانة للعقود التي يبرمها الأفراد في ما بينهم داخل المجتمع
 من جهة ثانية وكذا على الصعيد الإقليمي والدولي، عبر  الاتفاقيات والمواثيق الدولية.

يمكن القول إن التوثيق كعلم له أهمية كبيرة داخل المجتمع، وهو مرآة تعكس هذا الأخير، من حيث تطوره، وتقدمه، وحفظه حقوق الأفراد ودماءهم. وهو ما جعل فقهاءنا الأوائل يولون عناية خاصة لهذا العلم. فهذا ابن فرحون يعرفه بقوله:»هي صناعة جليلة وشريفة وبضاعة عالية منيفة تحتوي على ضبط أمور الناس على القوانين الشرعية و حفظ دماء المسلمين وأموالهم و الإطلاع على أسرارهم وأحوالهم. وبغير هذه الصناعة لا ينال ذلك ولا يسلك هذه المسالك».
ويعرفه الونشريسي بقوله:»إنه من أجل العلوم قدرا وأعلاها إنابة وخطرا. إذ بها تثبت الحقوق ويتميز الحر من المرقوق ويوثق بها ولذا سميت معانيها وثاقا.»
وبرجوعنا إلى منظومتنا التشريعية، نجد أن التوثيق بالمغرب يمتاز بازدواجية النظام القانوني، الأول تنظمه خطة العدالة قانون 16.03. وهو يجد أساسه ومرجعيته في الشريعة الإسلامية وقواعد الفقه المالكي خصوصا، والثاني ظهير 4 ماي 1925 الذي يجد أساسه في نظام التوثيق الفرنسي الذي يعرف بقانون 25 فانتوز السنة الحادية عشرة الصادر بتاريخ 16 مارس 1804، ويعتبر صدور هذا القانون خلال فترة الحماية دليلا على وعي المستعمر بالأهمية والدور الكبير الذي يلعبه التوثيق في الحفاظ على مصالحه، ومصالح رعاياه بالمغرب. هذا القانون ظل المغاربة يطالبون بتعديله منذ الحصول على الاستقلال غير أن ذلك لم يتأت إلا سنة 2011 حيث صدر قانون 32.09، هذا الأخير لا يختلف اثنان في أنه صادر عن مشرع مغربي ينطلق في مرجعيته من الشريعة الإسلامية. وهذا أكبر ربح لمهنة التوثيق ولرجالاتها.
ونظرا لأهمية قانون 32.09 وللانتظارات التي كانت معقودة على المشرع أثناء تحضيره لإصدار هذا القانون. سنحاول قراءته من خلال نقطة كانت مثار نقاش وما تزال كذلك. وهو الدور الذي سيناط بمؤسسة النيابة العامة في هذا القانون وهو ما سنحاول مقاربته على ضوء فلسفة المشرع وغايته الممثلة أساسا في حماية مهنة التوثيق والممارسين لها من كل انزلاق وانحراف عن المبادئ والقيم الأخلاقية والقانونية التي يجب أن يكون عليها الموثقون.
وهكذا وبعد قراءتنا لقانون 32.09، حاولنا محورة دور النيابة العامة فيه من خلال محورين، الأول دور النيابة العامة في الإشراف وتتبع عمل الموثقين، والثاني دور النيابة العامة في مراقبة الموثقين وتأديبهم.
وتبقى هذه المحاولة البسيطة مجرد رؤية من الرؤى التي يمكن من خلالها قراءة دور النيابة العامة في قانون 32.09، خصوصا أن الممارسة الفعلية له ما تزال في بدايتها وأن النصوص التنظيمية التي جاءت فيه لم تصدر بعد بكاملها.
دور النيابة العامة في الإشراف وتتبع عمل الموثقين
بادئ ذي بدء، لابد من الإشارة إلى أن النيابة العامة باعتبارها السلطة المشرفة على ضبط وضمان السير العادي للمؤسسات، والمحافظة على سلامة المعاملات، والنظام العام، منحها المشرع سلطة الإشراف وتتبع عمل الموثقين، وهي مهمة أراد بها ترجيح كفة صيانة مهنة التوثيق، وحمايتها من أي انزلاق يمكن أن يؤدي إلى زعزعة الثقة والمكانة الرفيعة لهذه المهنة، على كفة العقاب، والتدخل في شؤون مهنة أريد لها أن تكون حرة.
وعليه سنحاول أن نستشف من خلال قراءتنا للمقتضيات القانونية التي جاء بها قانون 32.09 دور الإشراف وتتبع عمل الموثقين الذي أناطه المشرع بالنيابة العامة، وذلك من خلال نقطتين الأولى دور النيابة العامة في الإشراف وتتبع عمل المرشحين لممارسة مهنة التوثيق، والثانية دور النيابة العامة في الإشراف وتتبع عمل الممارسين لمهنة التوثيق.
أولا: دور النيابة العامة في الإشراف وتتبع عمل المرشحين لممارسة مهنة التوثيق.
قبل شروع الموثق في عمله بهذه الصفة، لابد له من المرور بمرحلة التمرين واختتامها بالنجاح في الامتحان المهني، لكن قبل ذلك لابد له من النجاح في المباراة المنظمة من قبل ما لم يكن معفى منها بنص قانوني،
إذن على هذا المستوى سنحاول استقراء دور النيابة العامة والتي نرى أن نقطة انطلاقها ستكون من خلال المادة 3 من خلال مشاركتها في اللجنة المشرفة على تنظيم المباراة، المشار إليها في هذه المادة والتي تقتضي صدور نص تنظيمي لها حسب المادة 6 وقد صدر هذا الأخير، وأشرك النيابة العامة في اللجنة المشرفة على تنظيم المباراة باثنين من الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف. ونأمل أن تكون النيابة العامة حاضرة وبشكل إيجابي وفعال يقدم الإضافة ويساعد في اختيار الأطر الكفأة لممارسة هذه المهنة.
وهكذا وبعد نجاح المترشح في هذه المباراة فإنه يصبح متمرنا، ويقضي فترة التمرين التي تمتد أربع سنوات، أولاها بمعهد التكوين المهني للتوثيق والثلاث الباقية بمكتب موثق، يحدده الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف باقتراح من رئيس المجلس الجهوي للموثقين، ويختتم هذه المرحلة بامتحان مهني. وخلال هذه المرحلة نجد أن المشرع أناط بالنيابة العامة تتبع عمل المتمرن، وبالتالي فأي مخالفة ارتكبها المتمرن للنيابة العامة سلطة تحريك المتابعة في حقه، وهو ما تشير إليه المادة 72 التي تحيل على المواد 82 و83 و84 غير أن تطبيق هذه المواد على المتمرن يثير بعض اللبس لن يرفع إلا بصدور النصوص التنظيمية، فالمادة 83 تنص على أنه يوجه رئيس اللجنة المقرر التأديبي إلى الوكيل العام للملك المختص الذي يبلغه إلى الموثق المعني بالأمر داخل شهر من تاريخ صدوره، وهنا نسلم بهذه الفقرة في المرحلة التي يكون فيها المتمرن بمكتب موثق بحيث يكون الوكيل العام المعني هو الذي يوجد مكتب التدريب بدائرته، أما إذا كان المتمرن في السنة الأولى ويوجد بالمعهد هل سيتم تبليغ مدير المعهد بدل الوكيل العام؟ وهل ستكون اللجنة المشار إليها في المادة 11 هي المكلفة بتأديبه أم أن إدارة المعهد هي التي ستتكلف بذلك خلال هذه المرحلة؟ هذا ما ستوضحه النصوص التنظيمية و الممارسة الواقعية.

بقلم:  يوسف أقصبي :باحث في العلوم القانونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق