ملف الصباح

الإنصاف والمصالحة متهمة بإهمال الاغتيالات

ملاحظون يعيبون عليها ترك ملفات الاغتيالات السياسية دون تحقيق أو متابعة

يكاد يجمع عدد من المتتبعين للعمل الذي قامت به هيأة الإنصاف والمصالحة (سنة 2005) أنها تجربة، رغم أنها ليست بالفردية، لكنها كانت متميزة في منطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأنها مهدت لوضع البلاد على سكة العدالة الانتقالية، لكن هؤلاء المتتبعين أنفسهم يجمعون من جانب آخر على أن العمل الذي قامت به الهيأة ، التي كان يرأسها المرحوم والمناضل الحقوقي واليساري إدريس بنزكري، تخللته الكثير من الثغرات.
فالأستاذ محمد الغالي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش، اعتبر أن هذه الهيأة التي أحدثت لمواجهة تبعات وتداعيات ماض سياسي عنيف اتسم بعدد من التجاوزات، «اعترى عملها مجموعة  من النقائص، مثل أنها لم تدرج في صلاحياتها فئات مهمة من الفئات التي تعرضت لانتهاكات حقوق الإنسان، كحالات الإعدام خارج نطاق القضاء، مما أدى إلى استبعاد طلبات عديدة (في هذا السياق)».
وأبرز الغالي أن «عمل اللجنة لم يتمتع بنشاط ذي طابع تحقيقي مما لم يساعد على كشف مجموعة من الاختلالات، كما أن طبيعة تركيبة الهيأة لم تسمح بتوفر الخبرات اللازمة لكشف الانتهاكات التي تميزت بقدرة عالية من حيث إخفاء معالمها»، وفي ذلك يشير الغالي بما لا يدع مجالا للشك إلى عمليات الاغتيال التي استهدفت خصوما ومعارضين للنظام الحاكم، الذي رصد إمكانيات هائلة لتصفيتهم عن بكرة أبيهم، وفي أحسن الأحوال دفعهم إلى العيش في المنفى.
ويضيف الغالي، في مداخلة له خلال إحدى الندوات التي نظمها المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف، «كل هذه المعطيات أثرت سلبا في مجموعة من جوانب عمل الهيأة، فرغم المجهودات التي تم القيام بها للوقوف على مسؤوليات أجهزة الدولة أو غيرها في الانتهاكات والوقائع موضوع التحريات، إلا أنها لم تستطع الالتزام بفكرة أن عملها الأخلاقي والسياسي لا يعني تحصين المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة من العقاب، ورغم ما قامت به الهيأة في باب تقديم المقترحات والتوصيات من أجل إيجاد حلول لقضايا التأهيل النفسي والصحي والإدماج الاجتماعي، إلا أن الواقع العملي يبقى بعيدا عن السير في هذا الاتجاه مما يعتبر عائقا كبيرا أمام تحصين البلاد من تكرار مثل الأحداث التي قادت إلى الانتهاكات الجسيمة».
ويستطرد الغالي بالقول «رغم محاولة دستور 2011 ترجمة مجموعة من التوصيات على المستوى الحقوقي والسياسي والاجتماعي والانتقال من مرحلة العجز الذي كان يختصر الحقوق والحريات العامة والفردية في الإقرار الذي لا يتجاوز النصوص إلى تحصينها بالضمانات القضائية والعمل على جعلها متاحة وميسرة أمام الجميع بغض النظر عن اعتبارات الجنس أو النوع، فإن الأمر يتطلب بذل الجهود بكل جرأة وموضوعية وبشكل يحرر ممارسة الحقوق بما يحد من التحكم المطلق للجهاز التنفيذي على اعتبار أن المفارقة تكمن في أن دستور 2011 غني في تنصيصه وضمانه لمجموعة من الحقوق التي وردت في توصيات الهيأة، لكنها معلقة على إصدار القوانين التنظيمية التي تعتبر عملا حكوميا بامتياز. وعليه، فإن عمل الهيأة وتوصياتها مازال يحتاج إلى ضخ جديد للرغبة والإرادة السياسيتين اللازمتين بما يضمن عدم التكرار والقراءة الإيجابية البعيدة عن دس الحقد والكراهية بين مختلف مكونات الشعب المغربي».
وفي سياق الحديث عن نقائص عمل الهيأة إزاء الاغتيالات السياسية، يوضح الأستاذ الجامعي عبد اللطيف عادل (وهو أيضا عضو سابق في اللجنة الإدارية للجمعية المغربية لحقوق الإنسان) أن هذه النقائص تتجلى على مستوى عدم إجلاء الحقيقة، وعلى مستوى جبر الضرر، وعلى مستوى ضمانات عدم التكرار… فعلى مستوى الحقيقة، لم يتم استجلاء الحقيقة كاملة عن وقائع عديدة تخص الفترة السياسية التي عاشها المغرب بين سنتي 1956 و 1964، سواء تعلق الأمر بالفاعلين الدولتيين (نسبة إلى الدولة) أو الفاعلين غير الدولتيين، وكذا عن السياقات السياسية المصاحبة للانتهاكات الخاصة بالمجموعات ذات الصلة بضحايا الاختفاء القسري،
وكذا الظروف السياسية المرتبطة بالأحداث الاجتماعية لسنوات (1965 ـ 1981 ـ 1984 ـ 1990)، كما لم يتم إجلاء الحقيقة كاملة أو إضافة معطيات جديدة حول الملفات ذات الرمزية والوضعية الاعتبارية مثل ملف المهدي بنبركة وملف عمر بنجلون وملف المانوزي وملف الرويسي… كما أن اعتماد مراكز الاحتجاز مدخلا للبحث عن الحقيقة كثيرا ما غيب الهوية السياسية للضحايا…».ويخلص إلى القول إن الحقيقة «تبقى في حاجة لاستكمال سيما أن الهيأة أقرت بهشاشة الشهادات الشفوية وبرفض بعض المسؤولين الإدلاء بشهاداتهم…».
محمد أرحمني

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق