ملف الصباح

سياسيون ضحايا زمن الاغتيالات

تاريخ الجريمة السياسية جزء من لحظات قاسية في زمن سنوات الرصاص في المغرب. لم يقف الأمر عند الاعتقال في السجون السرية والاختطاف ليلا داخل سيارات بدون هوية. بل تعداه إلى التصفية الجسدية. حينها كانت المخافر السرية تعج بالجلادين والضحايا، كان الجميع سجناء مرحلة سياسية تعدى تدبير الخلاف فيها قواعد الديمقراطية.
تقاطع السياسي بالأمني، خلال تلك المرحلة ، أضفى مزيدا من الغموض على الجريمة السياسية، بعضها كان بغرض تصفية الحسابات السياسية، وبعضها الآخر هدف إلى تصفية الخصوم السياسيين أنفسهم. لا أحد يدرك تفاصيل الجريمة السياسية التي طالت عددا من الأشخاص، لكن الأكيد أن المصالح كانت وراء عمليات الاغتيال. بالمقابل، بصمات الجريمة السياسية تحملها خمس شخصيات مغربية، أربع منهم قضوا، وواحد ظل على قيد الحياة، شاهدا على العصر…

بنبـركـة… الجريمـة الأولـى

تبقى جريمة اغتيال الاتحادي، المهدي بنبركة، واحدة من ملفات الاغتيال السياسي، الأكثر تعقيدا وغموضا في تاريخ الصراع السياسي بالمغرب. فما تزال الروح تطارد قاتليها، وما يزال القاضي الفرنسي باتريك راماييل يبحث عن الفاعلين والجناة في الجريمة السياسية، التي ارتكبت في التاسع والعشرين من أكتوبر سنة 1965. بدأت الجريمة حين اقترب شخصان من بنبركة أمام مقهى “ليب” بالعاصمة الفرنسية باريس، وقدما له نفسيهما على أنهما من عناصر الأمن، قبل أن يطلبا مرافقته لأمر يهمه. ثم انتهت بشريط فيديو يصور مشهد التخلص من الجثة، سلم، حسب رواية عميل المخابرات المغربية السابق، أحمد البوخاري، إلى الجنرال الدليمي.
في إحدى فترات الصراع السياسي بين المعارضة ونظام الحكم، والذي اشتد مع بداية الستينات تحديدا، بدأ شبح الاغتيال يترصد المعارض، المهدي بنبركة. البداية كانت بواسطة سيارة تابعة للشرطة، طاردته طويلا بين الصخيرات وبوزنيقة، فصدمته لينقلب إلى حافة الطريق وتلوذ بالفرار. كانت تلك المحاولة دليلا على أن رأس الرجل بات مطلوبا وفي أقرب الآجال. نقل بنبركة إلى المستشفى بسبب إصابته برضوض، ثم غادر نحو ألمانيا لاستكمال العلاج. أدرك الرجل أن لا حياة له في البلاد، بسبب مواقفه المعارضة للنظام، ليقرر السفر إلى الخارج، ومن هناك بدأ التحرك داخل بلدان المعسكر الشرقي. خلال تحركاته كان الموت يترصده إلى أن نفذت جريمة الاختطاف ثم الاغتيال نهاية أكتوبر 1965.
كان للمهدي بنبركة في ذلك اليوم موعد مع الاختطاف والتعذيب ثم الموت. لم يكن ذلك كافيا ليتخلص المجرمون من المهدي، فقد خافوا ظله قبل أن يغادروا مسرح الجريمة، فقرروا التخلص من هذا الظل بإذابته في الآسيد ورمي جثته داخل بركة مائية محاذية للفيلا التي كان معتقلا بها، فيما تقول رواية أخرى أن الجثة أذيبت فعلا في دار المقري، ضواحي الرباط. مات المهدي وبقيت روايات وفاته تتعدد وتتناسل وتنسج الأسطورة تلو الأخرى حول الوفاة. فقد ظل دم المهدي مهدورا، منذ اتهم في محاولة اغتيال ولي العهد آنذاك، الحسن الثاني، فقد كانت علاقته مع نظام الملك الراحل نهاية سنة 1962، ليست على ما يرام.
قد يكون ملف المعارض المغربي، المهدي بنبركة، من أكثر الملفات الحرجة التي تطارد المسؤولين المغاربة، ذلك أنه منذ أن سرب خبر مقتله، تناوب على الملف وزراء وقضاة ومحام واحد بقي يتابع الملف منذ بدايته. ذلك التحقيق تكلف به بداية الأمر القاضي لوي زولينجر الذي أصدر مذكرة اعتقال في حق ثلاثة  أشخاص، أولهم العربي الشتوكي، ثم الممرض بوبكر الحسوني المعروف بـ”الحسيني” وأخيرا عبد الحق العشعاشي. بقيت قضية بنبركة تطارد كل هؤلاء وصولا إلى الجنرال أوفقير وخلفه الدليمي.

اليازغي… شاهد على القتل

في رسالة وجهها الاتحاد الاشتراكي، نيابة عن كاتبه الأول السابق، محمد اليازغي، إلى هيأة الإنصاف والمصالحة، كشف الحزب تفاصيل جريمة سياسية لرجل “لفظه” الموت. تقول الرسالة، إنه بتاريخ 13 يناير 1973، على الساعة الحادية عشرة صباحا، تلقى محمد اليازغي، بمنزله بالرباط، طردا بريديا يوحي شكله الملفوف بأنه يتضمن كتابا، وما إن شرع في فتحه حتى انفجر بقوة في وجهه. الجريمة السياسية التي أفلت منها اليازغي، فقد على إثرها “رأس وسطى أصابع يده اليمني، وبتر وسط إبهام أصابع يده اليمنى، كما تسبب الانفجار في إتلاف سمعه، إضافة إلى تسرب مادة البارود وشظايا الطرد الملغوم في الأحشاء”.
بعد الحادث خضع اليازغي، لعملية جراحية دامت 16 ساعة، لإنقاذ حياته، بعدها سيعود إلى المستشفى لأجل إجراء عملية جديدة سنة 1977 ثم في 1979، ومع ذلك بقي يعاني تبعات محاولة الاغتيال إلى اليوم. يومها رفضت أجهزة الأمن فتح تحقيق حول الجريمة، بالمقابل، “وقبل تنفيذ عقوبة الإعدام في حق الضابطين أمقران وكويرة، أخبرا محاميهما، بأن المخابرات طلبت منهما أن يصرحا أثناء الاستنطاق بأن اليازغي كان مشاركا في محاولة الانقلاب الفاشلة”.
اعتبر الحزب أن الجريمة سياسية، وطلب من هيأة الإنصاف والمصالحة، البحث عن الحقيقة ومعرفة الجناة سواء الذين خططوا أو نفذوا أو شاركوا فيها. أصابع الاتهام تشير إلى أن “مقترفيها هم أشخاص متمرسون ذوو خبرة عالية لا يمكن أن تتوفر إلا لأجهزة المخابرات”، فقد اعتبر عميل المخابرات السابق، أحمد البوخاري، فيما نشره بأن الطرد الملغوم الذي وجه إلى اليازغي كان من تدبير جهاز “الكاب 1″، في حين رفضت الأجهزة الأمنية، في حينه، فتح تحقيق في الجريمة، قبل أن تعود إلى اعتقاله بعد شهرين من ارتكاب الجريمة و”هو في طريقه إلى مستشفى ابن سينا بالرباط لتلقي العلاج”.

لمساعدي… قتيل”الضباط الأحرار”

تعتبر قضية عباس لمساعدي، أكثر ملفات الجريمة السياسية غموضا وتعقيدا، فاسمه الحقيقي هو محمد بنعبد الله الناصري. أدخل السجن إبان فترة الاستعمار بعد إدانته في جريمة قتل سنة 1947، وداخل السجن المركزي بالقنيطرة، حيث قضى ثلاث سنوات، التقى فيها بأعضاء من الحركة الوطنية. نسج لمساعدي شبكة علاقات واسعة داخل السجن، حيث كان يجلس إلى أفراد الحركة ليكتشف الخلايا والمقاومة والنضال ضد الاستعمار الفرنسي. تحول إلى أحد أكبر الأسماء داخل صفوف خلايا حزب الاستقلال ليصبح المسؤول الأول عن تأسيسها ما بين 1953 و1954.
الخلاف بين لمساعدي وبين عناصر في حزب الاستقلال بدأ مبكرا، ففي يناير 1956 جرى لقاء بمدريد بين رجال المقاومة، حضره المهدي بنبركة والفقيه البصري. خلال هذا اللقاء تشكلت حساسية بين لمساعدي والمهدي، حينها طلب الأول من الثاني الانسحاب من الاجتماع. التقى لمساعدي قبل هذا اللقاء بعدد من “الناصريين” في مصر، فطالبوه بعدم التنسيق مع الحزبيين المغاربة.
الاتصالات الخارجية لعباس لمساعدي، جعلته على فوهة البركان في المغرب، سيما بعد انكشاف “مؤامرة” الاندماج داخل جيش التحرير بهدف تأسيس “الضباط الأحرار”، تبعتها عملية أخرى أشرف عليها لمساعدي وتمت تحت إشراف الملحق العسكري المصري في مدريد، عبد المنعم النجار، شملت إرسال سفينة محملة بالسلاح إلى قائد جيش التحرير في الشمال، غير أن الخلاف سيتفجر بسبب رفض أعضاء في جيش التحرير زيا نظاميا توصلوا به عبر وسطاء مصريين، بعدما اكتشفوا أن اسم الملك حذف من الشعار.
سعت الدولة إلى إقناع “الكولونيل” بالتنحي عن قيادة جيش التحرير لتحويلها إلى الجنوب، وكان هدف اللجنة التي توجهت إليه في 14 يوليوز 1956، إقناعه بالتنحي، غير أنه وقع ما لم يكن في الحسبان. وقعت ملاسنات بين محمد زكرياء العبدي، أحد أعضاء الوفد، وبين لمساعدي انتهت بإطلاق رصاصة من مسدس العبدي استقرت في صدر عباس لمساعدي ليسقط صريعا في اليوم نفسه، إذ اكتشفت جثة “الكولونيل” ملقاة على الأرض بطريق تاونات.

بنجلون… ضحية الإسلام المسلح

تعتبر بعض الكتابات السياسية أن عمر بنجلون أول شهيد للتطرف الديني في المغرب. فالرجل الذي طالما تبنى خطاب الطبقة العاملة، اختطفه الظلام في واضحة النهار في ثامن عشر دجنبر 1975، ليسقطه جثة هامدة بالقرب من سيارته. قبل جريمة الاغتيال، صدر حكم بالإعدام في حق عمر بنجلون لاتهامه، رفقة عدد من مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، بتدبير مؤامرة ضد النظام. جرى الاعتقال في 16 يوليوز 1963، يومها حاصرت قوات الأمن اجتماع اللجنة المركزية بمقر الحزب بالبيضاء، لتقتحمه بعد دقائق وتعتقل حوالي 105 من الأعضاء. لم يقف الأمر عند هذا الحد بل طالت الاعتقالات في وقت لاحق حوالي 5000 شخص بتهمة إخفاء أسلحة للقيام بمؤامرة ضد النظام. كان حظ عمر بنجلون أوفر من وصلات التعذيب خلال عملية التحقيق، فقد اكتشفت عناصر من رجال الأمن أثناء تفتيش منزله وثائق تتعلق بتصميم خيوط الهاتف داخل القصر الملكي، وهو ما اعتبرته الأجهزة الأمنية حينها جزءا من المؤامرة التي تستهدف القصر. الجريمة السياسية كادت تخطف المناضل الاتحادي يوم 13 يناير سنة 1973، يومها كان عمر بنجلون يغادر منزله، قبل أن يتلقى طردا كتب عليه اسمه باللغة الفرنسية. كان من المفترض أن يفتح عمر الطرد للاطلاع على مضمونه قبل استكمال طريقه، غير ألا شيء من ذلك وقع، فقد أدرك الرجل بفطرته، وهو الذي اشتغل بقطاع البريد طويلا، أن الأمر يتعلق بشيء غريب يوجد داخل الطرد. لم يكن ذلك الشيء إلا شبكة خيوط عبارة عن قنبلة وضعت بإحكام داخل الظرف لتنفجر مباشرة بعد فتحه، كان محمد اليازغي حينها بين الحياة والموت، بعد أن انفجر الطرد الذي أرسل إليه بدوره. في اعترافات حديثة لعميل “الكاب 1″، أحمد البخاري، كشف أن عناصر في الاستخبارات نسجت علاقات مع متطرفين لتنفيذ جريمة اغتيال عمر بنجلون. كان الأمر جريمة سياسية نفذت بأدوات دينية.

“شيخ العرب”…القاتل المقتول

قصة اغتيال “شيخ العرب” أكثر إثارة وتشويقا، بالنظر إلى شخصية الرجل الذي تحول إلى أسطورة، أرعب الدولة مدة طويلة وأرق رجالاتها وأمنها ومسؤوليها، وهو القادم من الحركة الوطنية. شيخ العرب هو لقب للاسم الحقيقي أحمد بن محمد آيت بوشلاكن، الذي سيتحول في الحالة المدنية إلى اسم فوزي بعد الاستقلال. إبان فترة اعتقاله بتهمة تنشيط خلية مسلحة، استقدم له الفرنسيون محاميا فرفضه، لم يكن هذا المحامي إلا رضا اكديرة، الذي سيصبح مستشارا للملك الراحل الحسن الثاني. في تلك الفترة قرر “شيخ العرب” اغتيال المحامي بوصفه متعاونا مع الفرنسيين، كانت ضمن اللائحة التي كشفتها الأجهزة الأمنية في 16 يوليوز 1963، أسماء أخرى من قبيل الكولونيل محمد أوفقير والمحجوبي أحرضان والنقابي المحجوب بن الصديق، وهي “المؤامرة” التي تورط فيها إلى جانب “شيخ العرب” الفقيه البصري، إذ وجهت إلى الجميع تهمة تشكيل تنظيم مسلح والتخطيط لتصفية شخصيات عمومية.
بعد إعلان المغرب استقلاله، نجح “شيخ العرب” في تنظيم عملية فرار من السجن المركزي للقنيطرة، في ماي سنة 1956. حينها خجل القضاء من اعتقاله بالنظر إلى شخصيته والتهمة التي يقضي بموجبها عقوبة السجن، فقد كان معتقلا باسم الدفاع عن استقلال الوطن. بدأ “شيخ العرب” في تنظيم تصفية عدد من الأفراد، بدعوى أنهم تعاملوا مع الاستعمار الفرنسي. كان أول ضحاياه رجل أمن يدعى “كويزا لاسورطي”، اتهم بأنه المسؤول عن مقتل الشهيد علال بنعبد الله. سمع “شيخ العرب” من أحد أصدقائه بعد فراره من السجن أن رجل الأمن تمت ترقيته إلى عميد شرطة، فلم يستسغ الأمر، ذهب للاستفسار عنه فقتله في الحين.
استطاع “شيخ العرب” أن يصنع لنفسه بنية مسلحة ذات اعتمادات مالية مهمة، غير أنه خلال الفترة الممتدة ما بين 1960 و1964 تحول الرجل إلى المطلوب رقم واحد في المغرب، وبسببه حاصرت قوات الأمن مقر الكتابة العامة لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في 16 يوليوز 1963. في شهر غشت سيتمكن من الفرار إلى الجزائر . في فجر 7 غشت سنة 1964، حاصرت قوات الأمن منزلا بناء على معلومات تفيد أن “شيخ العرب” يقيم فيه، كان ذلك بـ”حي سيدي عثمان” بالدار البيضاء. لم يستسلم لدعوات عناصر الأمن، فبدأ تبادل إطلاق الرصاص ليسقط بعد دقائق معدودة، بعد أن استقرت رصاصة في الجزء الأسفل من وجهه.

إعداد: إحسان الحافظي

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق